الأربعاء، 22 سبتمبر 2021

من نماذج التصوف السُّـــنـّـِي في الجزائـر

من نماذج التصوف السُّـــنـّـِي

في الجزائـر

 

 

 

 

 

 

 

 

إعداد وتأليف

عبد القادر بن دوحة

 

 

 

 

2016

 

تمهيـــــد:

بسم الله، و الحمد لله حمدا يلق بآلائه وصفاته وأسمائه، والصلاة والسلام على خير رسله وأنبيائه وأصفيائه، وعلى آله وأصحابه و أوليائه، والتابعين لهم بإيمان وإحسان إلى يوم لقائه، وبعد: فقد شاء الله ويسر أن أكتب بحثين متصلين بالطرق الصوفية في الجزائر ، دعاني إلى هذا رغبة الأخ الفاضل الأستاذ الحاج علي مسعود الإطار بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف في الجزائر ، وكان يدعى للمساهمة في ملتقيات الطرق الصوفية والندوات الدينية ، إذ لم يكن وقته يسمح له بإعداد بحوث يساهم بها في تلك الملتقيات  ، فطلب مني بحكم الصداقة والمحبة التي كانت بيننا في فترتين مختلفتين سنتي 2000           و 2009 أن أعد له بحثين يساهم بهما : الأول في ملتقى ذكرى الشيخ سيدي بوعبدالله ، والثاني عن الطريقة البلقائدية ، فتعمقت في البحث و توسعت فيه إلى أصول الطرق الصوفية وأدلتها الصحيحة وأسانيدها المتواترة ، خاصة وأنه شاع وذاع في أو ساط عامة الناس أن الطرق الصوفية هي من البدع الضالة لا سند لها من كتاب ولا سنة ، و مما يؤسف له أن هذا التصور الخاطئ والمغرض عن التصوف وأهله وطرقه وجد القبول والدعم بعد استرجاع السيادة  الوطنية واستقلال الجزائر سنة 1962، بينما كانت الزوايا والطرق الصوفية ــ ابتداء من الأمير عبد القادر  ومن كان قبله أو جاء بعده من شيوخ الزوايا ــ، مؤسسات جزائرية قوية وقفت في وجه الاستعمار العسكري المسلح والتنصيري  التبشيري والتعليمي التثقيفي ، وكانت الزوايا مراكز للتربية والتعليم، والتزكية والتهذيب، ومقرات للمقاومة والجهاد، ومؤسسات للإغاثة والإسعاف، كانت الحصن الحصين للمجتمع الجزائري، بها حافظ على شخصيته ومقوماته ، فكانت الطرق: القادرية والشاذلية والتيجانية والرحمانية وغيرها منتشرة في القطر الجزائري كغيره من بلاد المسلمين، كان لها أتباع ومريدون في كل المناطق يؤطرهم مقدمون مأذونون من شيوخ الزوايا بتعليم المحبين تعاليم الدين والقراءة والكتابة، وتحفيظ القرآن، وتلقين الأوراد، والأذكار في أوقات معينة لذلك، وفتح الزوايا والكتاتيب للطلبة والمسافرين واليتامى والمحتاجين ، إنها مهام  جليلة قامت بها الزوايا قرونا بعد قرون .

وإليكم هذا المثال  الذي أنقله من مخطوط  يتحدث عن أحد شيوخ الزوايا المعاصرين :الشيخ الميسوم دفين قصر البخاري ، يقول : «أما بعد فقد اتصلنا بنقل ينص حرفيا على ما يلي: أما الخواص الذين نالوا من الشيخ سيد الموسوم العلم والمعرفة لله ، فيبلغ عددهم نحو الأربعين رجلا ممن يشار إليهم: أولهم وأكبرهم الأستاذ سيدي محمد بن أحمد بربارة الأنداتي ، ثم الشيخ سيدي قدور بن سليمان، ثم الشيخ سيدي الحاج  المحجوب، ثم الشيخ الحاج الطاهر بن عمار، ثم الشيخ سيدي جلول بن سيدي عيسى، ثم الشيخ سيدي أحمد بن يعقوب بوقفطان، ثم الشيح سيدي الحاج علي الرايس، ثم الشيخ الحاج بن الشرقي  وغيرهم.

وسلسلة الشيخ الميسوم: فقد أخذ الطريقة عن سيدي عدة بن غلام الله.وهكذا من شيخ إلى شيخ إلى سيدي أبي الحسن الشاذلي ) مخطوط أخذته من المرحوم الشيخ عبد القادر بوقفطان إمام بأحد مساجد الجزائر العاصمة .

أما سادتي المشايخ: سيدي قدور بن سليمان والهبري و البوعبدلي  و بلقائد فهم كلهم متصوفة على الطريقة الشاذلية، سنذكر سلسلتها كاملة عند البحث في الطريقة البلقائدية.

ولعل البعيد عن حقيقة الإسلام  والغريب عن مسالك الصالحين حين يسمع كلمة (الطرق) يخيل إليه أن هذه الطرق هي أديان متعددة فينفر منها ويقول إن الله نهى عن التفرق في الدين قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُون}[الأنعام:159] ، مع أن المنهي عنه إنما هو التفرق في أصل الدين ألا وهو توحيد الله ، أما مجالات السلوك والطاعات والقربات فمفتوحة للسالكين المجتهدين بسبب اختلاف طبائع البشر وقدراتهم ومواهبهم { وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون} مع التأكيد والتوضيح على أن الطرق الصوفية التي كانت سائدة في شمال إفريقيا وكل العالم الإسلامي ، كانت قائمة على المحبة والتسامح وكيف لا وهي جميعها تقوم على مرجعية الكتاب والسنة والعقيدة الأشعرية والفقه المالكي وقراءة نافع وسلوك الجنيد رحمهم الله جميعا، قال الإمام بن عاشر في متنه (المرشد المعيـــــــن) :

في عقد الأشعري وفقه مالك             وفي طريقة الجنيد السالك

وضعت البحثين في بابين متقاربين:

البـــاب الأول: الطريقة البلقائدية صوفية شاذليـة (أصول وأسانيد أذكار و أوراد وأناشيد)

الباب الثاني: وقفات موجزة مع قصيدة صوفيـة خالدة لصاحب الحقيقة والأسرار الدقيقة للشيخ البوعبدلي

وأريد بهذين البحثين تحقيق هدفين شريفين:

ـ التعريف بالطرق الصوفية وبأنها في الجزائر قائمة على الكتاب والسنة والإسلام الصحيح والتسامح والأخوة «إنما المؤمنون إخوة»، وإنصاف السادة المشائخ مما لحق بهم من افتراء وازدراء واتهام باطل، وتعريف الأجيال الجديدة بالدور الكبير الذي لعبته الزوايا.

ـ الدعوة إلى نبذ التطرف والغلو في الدين وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، الأمور التي لم تكن معروفة في بلدنا والتي نهى عنها ديننا ومشائخنا، والله وحده أعلم و أجل وأعظم.

عبد القادر بن دوحة ولد الشيخ المأذون والمقدم من سيدي بوعبدالله

على ناحية عين الأشياخ، امحمد بن دوحة

في يوم الجمعة 30 جمادى الثانية 1437

الموافق لـ 08 أفريل من سنة 2016

البليدة ـ الجزائر ـ

  البــــاب الأول: الطريقة البلقائدية صوفيــة شــاذليـة

(أصول وأسانيد، أذكار و أوراد   و أناشيد).

الحمد لله الذي اختص أولياءه بما شاء من النعم، و رفع منزلتهم و منحهم منح الفضل                       و الإحسان و الكرم، من توكل عليه كفاه  و من سأله أعطاه ، و من أقرضه قضاه ، و من شكره جزاه ، منَّ على العباد بالجود قبل الوجود ، بيده الخير إنه على كل شيء قدير .

و الصلاة و السلام على سيدنا و مولانا محمد، أخرجه من أفضل المعادن منبتا، و أعز الأرومات مغرسا، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه ، و انتخب منها أمناءه ، أسرته خير الأسر  و شجرته أفضل الشجر ، نبتت في حرم ، و بسقت في كرم ، فهو إمام من اتقى و بصيرة من اهتدى   سراج لمع ضوؤه و شهاب سطع نوره ، صلى الله عليه و على آله و أصحابه صلاة ترفع بها درجاتنا و تمحو سيئاتنا و تقربنا إليه و إلى أوليائه أما بعد:

لقد هيأ الله لي فرصة البحث في: موضوع :« الطريقة البلقائدية» و لم يكن لدي من الوسائل العلمية و المادية ما يفي بالغرض ، ولا من التجربة الميدانية الذوقية من احتكاك بأبناء الطريقة و شيوخها و معايشة طقوسها و أجوائها ، ما يساعد على الغوص في هذا الموضوع ...    و مع ذلك فإني لست غريبا عن هذا الوسط و لا بعيدا عنه تماما.

لذلك وجدتني أقدم على كتابة هذا البحث بكل صدق و حب و تقدير ، و قد توافدت علي الأفكار و الخواطر و تزاحمت أمامي النصوص و المقولات ، و الصور و الأصوات ، فأخذت منها ما هو من المشهود المعقول ، الثابت بالدليل الصحيح المنقول ، و كان أول ما تبادر إلى ذهني صور شيوخي الذين درست عليهم، و أصدقائي ممن كنا نسميهم « الهبريين » و ما كانوا عليه من أخلاق طيبة   كريمة ... محافظة على الطاعات و العبادات ، و تجنب للمعاصي و الموبقات . كما تذكرت والدي ـ رحمه الله ـ و قد كان له « ورد » يردده يوميا بعد إحدى الصلوات ، و قد أخذه عن الشيخ سيدي « بو عبد الله » ... و كنت في مرحلة الطفولة أشاهد الشيوخ و هم يجتمعون ثم ينطلقون في موكب أنيق سنويا لزيارة الشيخ سيدي «  بوعبد الله » في زاويته بضواحي « مستغانم » و التبرك به و تجديد العهد و الميثاق، و التواصي بالحق و التواصي بالصبر ...

و في تلك المرحلة من العمر كنا نسمع أهلنا يتبركون بالصالحين و يرددون أسماءهم، فأسماء : « سيدي عبد القادر -  سيدي بومدين – سيدي أبو الحسن الشاذلي - سيدي قدور – سيدي عدة – سيدي بن شرقي ... » حاضرة يتردد صداها في أسماعنا ... كما في مرحلة التعلم في الكتاب و الزاوية، وكثيرا ما كانت تنشد القصائد الرقيقة التي تؤثر فينا                  و تجذبنا إلى الدخول في « حضرة »  وجدانية روحانية... و إن كنا لا ندرك مغزاها ... .

و بعد تقليب الموضوع و استعراض المعلومات التي توفرت لدي، رأيت أنه من المفيد إدراج « الطريقة البلقائدية » في  سياقها العام و إطارها الصحيح حتى تكون البينة كافية والصورة صحيحة، و يعود الفرع إلى أصله، و ينسب الولد إلى أهله ، و ما من شك في أن الطريقة  « البلقائدية » هي زهرة عطرة في حديقة الصالحين و ركيزة قوية من ركائز مدرسة التصوف الإسلامي التي ظهرت متزامنة مع مدارس الفقه و الحديث و علوم القرآن و اللغة وغيرها في القرن الثاني الهجري، وكان لها أئمتها و أعلامها و شعراؤها و حكماؤها و نمطها المتفرد و لغتها المتميزة في الإعراب عن طاعة الله عز و جل و التقرب منه ... و من الأجدى أن نضع بين يدي البحث لمحة و جيزة عن التصوف الإسلامي و ضوابطه ثم نعرج على الطريقة الأم «الطريقة الشاذلية » ثم نختم بما فتح الله في موضوع البحث « الطريقة البلقائدية صوفية شاذلية» ، نساهم به خدمة للزاوية و الطريقة و التي هي في خدمة الأمة و الدين :

أ ـ لمحة موجزة عن ظهور مدرسة التصوف و تميزها*:           

و ما أحسن ما أنشده الفقيه « ابن الحاج » في كتابه « المدخل » عن مفهومه للتصوف

ليس التصوف لبس الصوف ترقعه

 

و لا بكاؤك إن غنى المغنونـــــــــا 

و لا صياح و لا رقص و لا طرب

 

و لا اختباط كأن قد صرت مجنونا 

بل التصوف أن تصفو بلا كـــــــدر

 

و تتبع الحق و القرآن و الدينـــــــا

و أن ترى خاشعا لله مكتئبــــــــــــا

 

على ذنوبك طول الدهر محزونـــا

فالتصوف منهج سلوكي روحاني وجداني ، أخذ من كل علم لبه و نفذ إلى باطنه ، فالظاهر ليس هو الغاية و إن كان لا بد منه ، بل هو مجرد أداة للعبور إلى الحقيقة و لذا أولت الشريعة الأولوية لموضوع الظاهر و الباطن فقالوا : « لا يقبل الله من الأعمال إلا ما كان خالصا موافقا لما شرعه الله و رسوله » و ألفت في هذا الشأن المصنفات التي لا يخلو أحد منها من : فصل عن النوايا و المقاصد ، و قد يكون هذا هو منطلق التصوف ، فالإخلاص و النية بداية لظهور هذا الفن  والاهتمام بالباطن طريق موصل إلى الله تعالى ، فبرز رجال يوصون بدراسة علم التصوف إلى جانب العلوم الأخرى ، قال صاحب « هداية الأذكياء إلى طريق الأولياء » معرفا التصوف داعيا إلى دراسته مبينا مراجعه :

 إن التصوف كلـــــــه لهو الأدب

 

و من العوارف فاطلبنه و عولا

طالع رياض الصالحين و أحكمن

 

ما فيه تظفر بالسعادة و اعمــلا

فهو يدعو إلى دراسة كتاب العوارف لـ « الشيخ السهروردي » و إلى مطالعة رياض الصالحين للعلامة النووي ، و قال الشيخ العيدروس : « عليكم بملازمة إحياء علوم الدين فقد جمع بين الشريعة و الطريقة و الحقيقة »[1] .

و هكذا اتسعت مدارس الفكر الإسلامي المختلفة و تشعبت فلا عجب أن تتسع مدرسة التصوف الإسلامي و تتعدد مفاهيمه و أقوال العلماء فيه ، حتى أوصلها مؤلف « العوارف » إلى ألف قول ، منها قول رويم الصوفي : « التصوف مبني على ثلاث خصال : التمسك بالفقر          والافتقار ، و التحقق بالبذل و الإيثار،و ترك التعرض و الاختيار » و منها قول أبي حفص الحداد    « التصوف كله أدب و لكل وقت أدب و لكل حال أدب و لكل مقام أدب ، فمن لزم أدب الأوقات بلغ مبلغ الرجال ، و من ضيع الأدب فهو بعيد حيث يظن القرب و مردود حيث يظن القبول ...» [2].   

و خلاصة القول : أن التصوف مبني على ثلاثة أركان : الشريعة ، و الطريقة ، و الحقيقة  و يفسر ذلك علماء الأخلاق و التهذيب الروحي بقولهم : إن حقيقة التصوف الكاملة الفاضلة هي مرتبة الاحسان التي بينها رسول الله صلى الله عليه و سلم في حديثه المشهور: « الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » ــ من حديث جبريل ــ.

و للتصوف لغته الجديدة شعرا و نثرا ، تعتمد الرمز و التلميح و الإيحاء ، تفتح أبواب الاجتهاد و الإبداع ، و تجدد الدين و تحيي علومه ، و لذلك ظهرت فنون و مصطلحات لم تكن مألوفة من قبل كـ : الطريقة و الحقيقة ،و الحب و الشوق ،و العشق و الوصال ،و الخمر و السكر ،و البوح و الكشف ، و الكرمة و المشاهدة .

قال الشيخ العارف بالله العالم العامل الشاعر المتصوف المرجع الحجة سيدي « السهروردي » (539ــ 632 هـ) قال[3] :

أبـــــــــدا تحن إليكــــــــــم الأرواح

 

و وصالكم ريحانها و الــــراح

و قلـــــــوب أهل ودادكم تشتــــاقكم

 

و إلى بهاء جمالكم ترتــــــاح

وا رحمـــــــــــتا للعاشقين تحملــــوا  

 

ثقل المحبة ، و الهوى فضَّاح

بالســـــــــــر إن باحوا تباح دماؤهم

 

و كذا دماء البائحين تبـــــــاح

و إذا هـــــــــــــم كتموا تحدث عنهم

 

عند الوشاة المدمع السفــــــاح

فالبــــــائحون بسرهم شربوا الهوى

 

صرفا ، فهزهم الغرام فباحوا

و قال العالم الأزهري المتصوف « علي عقل » (1894-1948م)[4] :

و كل رجائي أن أحبـــــــــك صادقا

 

إذ الصدق في الوجدان مرتبة القدس

أحبك يا رب محبة موقــــــــــن

 

و من قوة الإيمان أصبح و أمســـــي

فمذ شَاهدتْ روحي جلالك و ارتقتْ

 

تجردت عن معناي في عالم الحـــس

حسبت الهوى سهلا فخضت عبــابه

 

فطورا به أطفو و طورا به غطسي

إلى أن أتتنـــــــــــــي من لدنه عناية 

 

وصلتُ بها بَرَّ السلامة و الأنـــــــس

و هكذا مضى دعاة التصوف و رجاله في سيرهم غير مبالين بما يلقونه من تشكيك                   و تكذيب ، و تجريح و تهديد ، غايتهم رضا الله و هداية الناس ، و لكن هل تلك المصطلحات غريبة عن الاسلام دخيلة عليه ؟ كلا فهي من صميم الدين و روح القرآن و السنة ، ربما تختلف مع مصطلحات الفقهاء و أساليبهم و منطقهم،وربما يقع الالتباس بما حصل و يحصل من بعض الأتباع و المريدين و الأدعياء ، كما حصل مع أتباع الرسل « فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة  و اتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا » [5] ... و الأتباع دائما منهم الطيب القليل الزاد المتمسك بالأوهام ، و منهم الدخيل صاحب الأغراض ، و منهم المتعصب الجامد ، و هذه ظاهرة موجودة في كل الملل و النحل ، ألم يتظاهر قوم بالإسلام و النطق بالشهادتين خوفا و طمعا و كان أذاهم شديدا على النبي () ، تشهد عليه سورة كاملة باسمهم و آيات كثيرة في بيان كيدهم و مكرهم ... لا كلام عن الأتباع الدخلاء و عن الخلف المتبع للشهوات ، فأمرهم معروف و سعيهم مكشوف  يتناقض تماما مع حقيقة التصوف و جوهره الذي لا يولي عناية للمظاهر ، و لا يسعى أصحابه للمكاسب الدنيوية ... فلا يجوز بحال نسبتهم لأولياء الله ، فهما طريقتان مختلفتان : طريق الدنيا والرياء، وطريق الآخرة و الإخلاص « هل يستويان مثلا، الحمد لله،بل أكثرهم لا يعلمون » [6]. 

و إنما الكلام عن رجال صادقين إذا سألوا الله يستجيب لهم ، و إذا أخبروا عن كرامة نصدقهم ، و إذا صدر منهم قول لا نفهمه نؤوله بما يليق بمقامهم و أمانتهم و علمهم ، قال سيدنا القطب الحبيب عبد الله الحداد :

 و سلم لأهل الله في كل مشكل

 

لديك ، لديهم واضح الأدلة

« يعني إذا طالعت أو سمعت كلام السادة الصوفية و لم تفهمه و لم يقبله عقلك ، فاحمله على وجه حسن ، و لا تعترض عليهم ، فإن ذلك يكدر القلب و يبلد الذهن ... » [7]  ، و لا نلتفت للمشككين المكذبين الذين حرموا نور الإيمان و نفاذ البصيرة و فراسة المؤمن « صم بكم عمي فهم لا يعقلون » [8]  ، لا سيما و قد تواترت الأخبار عن كرامات الأولياء و شهدت الأمة بوقوعها و ثبوتها « و استدلوا على ذلك بما جاء في الكتاب العزيز من قصة مريم ابنة عمران ، و قصة أصحاب الكهف ، و قصة الرجل الذي عنده علم من الكتاب مع النبي سليمان (ع) و بما وقع من كرامات الصحابة و التابعين » [9] وغيرهم مما هو مشهور.

عن أنس (ض) :« أن رجلين من أصحاب النبي () خرجا من عنده في ليلة مظلمة فكان يرى معهما مثل المصباحين بين أيديهما ، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله » [10]  .

و هذه بعض الضوابط العامة و الخاصة للتصوف جمعتها من مقولاتهم و توجيهاتهم المبثوثة في ما بين يدي من مصادر قليلة، و أذكر بأن أهل التصوف يشاركون غيرهم من مختلف المذاهب الإسلامية في التأكيد على : التقيد و الالتزام بشعب الإيمان و قواعد الإسلام و أصول العقيدة ، غير أن مدرستهم المتميزة بأسلوبها و خطابها و سلوكها أرادت أن تزيل الشكوك  و الشبهات من قلوب المتشككين و المخالفين ، فوضعت الضوابط و المعالم للأتباع و المريدين و نصت و أكدت على الضوابط العامة و الخاصة .

ب‌-  ـ ضوابط عامة لأهل التصوف :  

و نقتصر على توجيهات أئمتهم الذين كانوا يحثون على التقيد بالضوابط المشتركة بين كافة مذاهب المسلمين وطرقهم دون ذكر النصوص الأخرى المعروفة إلا ما دعت إليه الضرورة .

1-         الالتزام بالكتاب و السنة و العمل بما جاء فيهما : قال أبو القاسم الجنيد إمام أهل الطريق بلا منازع : « من لم يحفظ القرآن و لم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن عملنا مقيد بالكتاب و السنة » [11] .

2-        تعليم القرآن و نشر العلم و الدعوة إلى الله : الكل يعرف ما قامت به الزوايا و شيوخها من نشر للقرآن و العلم و محافظة على الشخصية الوطنية تأسيا بما كان عليه سلف الأمة من إقبال على العلم و تقدير للعلماء ، يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمد إقبال (1877-1938 م) :« لقد قدم المتصوفة أعظم الخدمات إلى الإسلام ، و أظهروا محاسن الدين المحمدي بحسن سياستهم و مكارم أخلاقهم ، فقد أسلم على أيديهم ستون مليونا من جملة المسلمين البالغين سبعين مليونا سنة 1914 في بلاد الهند ، فهم الذين علَّموا  الإنسان كيف يكون إنسانا أولا ثم علموه كيف يكون مسلما بعد ذلك » [12] .

3-        الحرص على الفرائض و النوافل: فمهما كانت درجة الوصول و القرب من الله تعالى فلا بد أن تستمر علاقة العبودية بين العبد و ربه و اللجوء إليه في كل حين و لذلك كان لكل وقت عبادة مخصوصة و ذكر خاص ، و شرعت قواعد الإسلام الخمس التي تغطي عمر الإنسان كله بالعبادات و الطاعات ، قال صاحب هداية الأذكياء :

 و اصرف إلى الطاعات وقتك كله

 

لا تتركن وقتا سدى متساهلا[13]

4-   الرباط في الثغور و حماية دار الإسلام : و هذا باب عظيم للدخول في طريق التصوف فقد انتشرت الرباطات الجهادية بعد سقوط غرناطة ، على طول سواحلنا في شمال إفريقيا ، كانت مدارس للتربية و التزكية و حماية دار الإسلام تحت رعاية الطرق الصوفية كالقادرية و الشاذلية و الرحمانية ... و التي قامت بالتصدي للحركات الاستعمارية و التبشيرية ، و زادت على ذلك بنقل المعركة الدعوية إلى كل القارات فأقبل الناس على التصوف الذي وجدوا فيه روح الإسلام و نوره ... قال السياسي الصوفي الدكتور محمد إقبال:

  هل أعلن التوحيد داع قبلنا

 

و هدى الشعوب إليك و الأنظارا

كنا نقدم للسيوف صدورنا

 

لم نخش غاشما جبــــــــــــــــارا

5-     السعي لكسب الرزق و معاشرة الناس : من السنة التزام الجماعة و السعي لكسب الرزق ، و من فضل الله و لطفه بهذه الأمة أن قدر الثواب و الأجر على جميع الأعمال ما دامت بنية خالصة سليمة ، فتعمير الأرض و معاشرة الناس عبادات قيمة ، و إذا كان لا بد من الخلوة و العزلة و الرباط فإن ذلك لا يعدو أن يكون محدودا بالزمان و المكان في فترة التعلم و رياضة النفوس و كسر شهوتها ، قال الشيخ سيدي محمد بلقائد «الجسم في الحانوت و القلب في   الملكوت »[14]  إنه تصوف إيجابي يدعوا للعلم و العمل و الاهتمام بالمظهر الاجتماعي .

6-    محبة الله و رسوله و محبة أصحابه و آل بيته : إن عاطفة الحب لها مكانة هامة في التجربة الصوفية ، تتخذ من الذات الإلهية موضوعا للحب و ما يصاحبه من لوعة و هوى ،             أو قرب و وصال أو رفع للمقامات و تقلب للأحوال ، أو فيض رباني و إلهام قلبي و سمو روحي ... لأن محبة الله و رسوله و آله و أصحابه من علامات الإيمان ، و الآيات و الأحاديث في هذا كثيرة و إذا كان البعض جفت عواطفهم و قست قلوبهم ، و عجزت عقولهم عن إدراك ما جاء في الكتاب  و السنة فاستنكروا التصريح بعبارات الحب و الشوق للمولى عز و جل ، فإن العارفين من أوليائه  لم يجدوا حرجا في ذلك اقتداء  بالكتاب و السنة : « قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم » [15]، قال ():« ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ، أن يكون الله و رسوله أحب إليه مما سواهما و أن يحب المرء لا يحبه إلا لله ...» .

و من محبة الله محبة خلقه و رعايتهم و التسامح معهم ، و من محبة الرسول () محبة أصحابه و آل بيته ، عن الإمام علي كرم الله وجهه : « نحن شجرة النبوة و محط الرسالة و معادن العلم و ينابيع الحكم ، ناصرنا و محبنا ينتظر الرحمة و عدونا و مبغضنا ينتظر السطوة » [16]  .

و عن أبي بكر الصديق (ض) : « ارقبوا محمدا () في أهل بيته » ... و الحب الصوفي ليس كلمة تقال و إنما هو جهاد للنفس و رياضة للروح حتى تسمو عن الصغائر و تصفو من الأكدار و تتهيأ لكشف الحجب و تلقي الأسرار ... ، و حينئذ لا تبالي الروح بما يصيب الجسد من عنت  و أذى ، و من ذلك قول الحسين بن منصور الحلاج (244 ـ-309 هـ) :   

 

تباركت مشيئتك يا قصدي و مرادي

 

يا ذات وجودي و غاية رغبتـــــــي

يا حديثي و إيمائي و رمــــــــــــزي

 

يا جميعي و عنصري و أجزائــــــــــي

****

و حرمة الود الذي لم يكن

 

 

يطمع في إفساده الدهــــــــــر

ما نالني عند هجوم البلى

 

 

بأس و لامسني الضــــــــر

****

و الله ما طلعت شمس و لا غربت

 

إلا و حبك مقرون بأنفاســــــــــــــــــي

و لـــو قدرت على الإتيان جئتكموا

 

سعيا على الوجه أو مشيا على الراس[17]

 

ج - قواعد و مصطلحات خاصة بأهل الطريقة (التصوف):

و هذه القواعد هي في ظاهر أمرها مصطلحات و ممارسات تميزت بها المدرسة الصوفية المجددة ، و لكنها في جوهرها و حقيقة أمرها تنفيذ عملي لأحكام الشريعة ، و من بينها:

1      - الشريعة و الطريقة و الحقيقة : الشريعة هي ما شرعه الله و رسوله من أحكام لعباده في كتابه الكريم و سنة رسوله الأمين ، و أصولها و فروعها و مصادرها معروفة . أما الطريقة فهي ذلك المنهج العملي المستنبط من الشريعة ، المجرب من الشيوخ الصادقين ، المنقول عنهم بالسند المتسلسل إلى رسول الله () و هي – الطريقة – لا تكون بإحداث حكم جديد ، فالأحكام محكمة مكتملة و (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، و إنما الطريقة تدريب للنفس على البر و التقوى و على المسارعة إلى الفضائل و الخيرات ، و على التحلي بأعلى الأخلاق و أجمل الصفات، فالشريعة حددت الحلال و الحرام ،وقامت على التيسير و رفع الحرج في الفرائض  و الواجبات (يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر) [18] ، و هذا الجزء من الآية تعقيب على وجوب الصيام ، و الترخيص للمريض و المسافر بالإفطار ... و معروف عن رسول الله () أنه سأل ربه التخفيف عن أمته فاستجاب له ... أما في مجال الفضائل و المستحبات فقد تركه الشارع مفتوحا لتفاوت الخلق في المدارك و القدرات ، و قد كان أصحاب النبي () يسألونه عن عمل يقربهم من الله و يدخلهم الجنة ، فيدل كل واحد على عمل يناسبه ، قد يكون نوعا من الذكر و الاستغفار ، أو إمساك اللسان ، أو إغاثة إنسان أو حيوان ، أو دفع الأذى عن المسلمين ، ففي رواية للبخاري و مسلم « بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق ، فأخره فشكر الله له فغفر له»[19].

و لذلك فمن المحمود أن يستأنس المسلم بإحدى الطرق التي سلكها الصالحون و جربوها    و أن يقتدي الخلف بالسلف و يستفيدوا من تجاربهم الناجحة، عن الإمام علي كرم الله وجهه داعيا ولده « الحسن » إلى الاستفادة من تجربته ... « إنما قلب الحدث – الفتى – كالأرض الخالية مهما ألقي فيها من شيء قبلته ، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك و يشتغل لبك ، و تستقل بطريق كفاك أهل التجارب بغيته ، فإنني بهذه النصيحة قد كفيتك مؤونة الطلب و علاج التجربة ، فاستبان لك ما ربما أظلم علينا منه » [20]  .

بل إن علماءنا نصوا على أنه من الواجب على عموم الأمة أن تقلد عالما من أهل الاجتهاد من الأئمة الموثوق بهم، قال الشيخ إبراهيم اللقاني في (جوهرة التوحيد في العقائد) :

و مالك و سائر الأئمة

 

كذا أبو القاسم هداة الأمة

فواجب تقليد حبر منهم

 

كذا حكى القوم بلفظ يفهم

    و قال شارحه شيخ الإسلام البيجوري : « و الحاصل أن الإمام مالكا و نحوه هداة الأمة في الفروع ، و الإمام الأشعري و نحوه هداة الأمة في العقائد و الإمام أبا القاسم الجنيد و نحوه هداة الأمة في التصوف ... فيجب على كل من لم يكن فيه أهلية الاجتهاد المطلق تقليد إمام مجتهد منهم   و هذا مذهب جمهور الفقهاء و المحدثين و الأصوليين ، قال تعالى « فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون » ... » .

و الغاية من الشريعة و الطريقة الوصول إلى الحقيقة و يعنون بها معرفة الله معرفة يقينية « فاعلم أنه لا إله إلا الله » [21] ، و ليس كل عالم عارفا و لا كل سالك واصلا إذا « الأصل في المعرفة أنها لا تحصل إلا بفيض إلهي و نور يقذفه الله في قلب العبد فيرى به أسرار ملكه و يشاهد غيب ملكوته و يلاحظ صفات جبروته ... ثم لا يزال العبد يترقى في معرفة ربه بزيادة التقوى و كثرة الطاعات ... [22]  .

قال الإمام الجنيد : « لا يكون العبد عارفا حتى يكون كالأرض يطؤها البر و الفاجر             و كالسحاب يظلل كل شيء ، و كالمطر يسقي ما يحب و ما لا يحب » [23] ، و قال ذو النون « علامة العارف ثلاثة: لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ، و لا يعتقد باطنا من العلم ينقض عليه ظاهرا من الحكم ، و لا تحيله كثرة نعم الله عليه على هتك أستار محارم الله تعالى [24].

2      -     مجاهدة النفس و تزكيتها : قال الله تعالى : « و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا          و إن الله لمع المحسنين» ، فالمجاهدة طريق الإحسان و الإحسان مقام العارفين « أن تعبد الله كأنك تراه » ، قال الشيخ عبد الكريم القشيري : « و اعلم أن من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة ، لم يجد من هذه الطريقة ريحا ، و أن أصل المجاهدة و ملاكها فطم النفس عن المألوفات و حملها على خلاف هواها في كل الأوقات » [25] ، فالوصول لا يكون بالتمني أو التحلي ، و لكن بصفاء القلب  و صدق العمل و تدريب النفس على الزهد في الدنيا و لو كان غنيا و على الإخلاص و لو كان نبيا أو وليا ... و من الحكمة أن يكون المؤمن كيسا فطنا ، و يختصر الطريق بصحبة شيخ عارف بالله   عالم بالشريعة يلقنه مبادئ الطريقة و يوصله إلى أنوار الحقيقة ، و صدق من قال :

عليك بأرباب الصدور فمن غدا

 

مضافا لأرباب الصدور تصدرا

و إياك أن ترضى بصحبة ناقص

 

فتنحط قدرا من علاك و تحقرا

3 – صحبة شيخ عارف : قال الشيخ بن عاشر منبها إلى شرط أساسي ينبغي توفره فيمن يريد أن يسلك طريق القوم و الاندماج في حضرتهم ، فعليه أن :

يصحب شيخا عارف المسـالك

 

يقيه في طريقه المهالـــك

يذكره الإلــــــــــــــــــه إذا رآه

 

و يوصل العبد إلى مولاه

4- آداب الشيخ المربـــي: « أن يكون ذا علم صحيح و ذوق صريح و بصيرة نافذة و همة عالية و حالة مرضية » ، وذكر صاحب « الإحياء » ثمانية علامات للعالم المربي :

أ‌-       أن لا يخالف فعله قوله ، و لا يأمر بشيء قبل أن يفعله بنفسه .

ب‌-  أن تكون عنايته بتحصيل العلم النافع .

ت‌-  أن يكون مقتصدا في مطعمه و ملبسه و مسكنه .

ث‌-  أن يبتعد عن السلاطين ما وجد إلى ذلك سبيلا .

ج‌-   أن لا يسارع إلى الفتيا – الفتوى - .

ح‌-   أن يكون اشتغاله بالعلم لتحصيل الثواب و الأجر من الله تعالى .

خ‌-   أن يكون اعتماده في علومه على بصيرته و إدراكه بصفاء قلبه لا على الصحف             و الكتب .

د‌-    أن يكون اهتمامه بعلم الباطن و مراقبة القلب و مجاهدة النفس .

5- آداب المريد مع شيخه : خمسة : « اتباع أمر شيخه و إن ظهر له خلافه ، و اجتناب ما نهاه عنه و إن كان فيه حتفه ، و القيام بحقوقه حسب الإمكان ،  و عزل عقله و علمه و رياسته إلا ما يوافق ذلك من شيخه، و حفظ حرمته حاضرا و غائبا حيا و ميتا » [26]  .

6- الورد و العهد و الإذن : فإذا صدق المريد في محبته لشيخه و في إخلاصه للطريقة  و اجتاز مراحل التدريب و التعليم و جهاد النفس ... فإنه يكلف بورد من الأذكار قد يكون ثقيلا حتى تصفو نفسه و تسمو روحه ، و يظهر للشيخ صدقه و جده ، فيأخذ عليه العهد بالاستقامة و الالتزام بضوابط الطريقة « العامة و الخاصة »  و يكون خلال ذلك بصحبة شيخ عارف و تحت رعايته يترقى من مقام إلى مقام و تتبدل عليه الأحوال ... فإن كان مكتوبا في اللوح المحفوظ من الأولياء أتاه (الإذن) من شيخه ، و بنور يقذفه الله في قلبه و تبدأ المكاشفات و تحصل الكرامات .

7-    حلقات الذكر : قال تعالى : « يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم و لا أولادكم عن ذكر الله  و من يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون » [27] بهذا التهديد القوي في الآية تتبين مكانة الذكر في الإسلام ، و هناك كثير من الآيات و الأحاديث في الموضوع ، وقد أولاه العلماء العناية فألفوا فيه الكتب و أفردوا له الأبواب و بينوا صيغه و أوقاته و الجزاء المترتب عليه و من أجمل و أصح ما يروى في هذا الشأن ما جمعه الإمام العلامة شيخ الإسلام النووي (ض) من أحاديث صحيحة في كتاب « الأذكار » مبينا حالة الذاكر: قائما و قاعدا و مضطجعا و عند النوم و في الصباح و في المساء ... ثم بوب : « فضل حلق الذكر و الندب إلى ملازمتها » و خص حلق الذكر بخمسة أحاديث شافية كافية منها : قوله () : « لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة و غشيتهم الرحمة و نزلت عليهم السكينة و ذكرهم الله فيمن عنده »[28]  .

و إن الالتزام بأذكار معينة و أوراد فيها تمجيد الله و تعظيمه ، و صلاة على نبيه ، لهو بداية للسير في طريق السالكين ، و هو أهم وسيلة للتطور الروحي ، و ركن هام من أركان التصوف ، يقول الشاعر الصوفي سمنون المحب « ت 298 هـ »    

حنين قلوب العارفين إلى الذكر

 

و تذكارهم وقت المناجاة للسر

و لا عيش إلا مع رجال، قلوبهم

 

تحن إلى التقوى و ترتاح للذكر

و قالوا « يجب على المريد أن يذكر الله بقوة تامة ... فإذا ذكر ربه بشدة و عزم طويت له مقامات الطريق بسرعة ... و كذلك ذكر الجماعة على قلب رجل واحد أكثر تأثيرا في رفع الحجب و كشف الأستار... قال الشيخ إبراهيم المتبولي : «ارفعوا أصواتكم في الذكر إلى أن تحصل لكم الجمعية كالعارفين ... و يجب على المريد في بداية أمره رفع صوته في الملإ حتى ينخرق حجابه   فإذا تمكن في الذكر و أنس بالله تعالى دون الخلق فهذا لا يحتاج إلى رفع صوته » [29]  .

و أقول : على الذاكر أن يصفي قلبه حال الذكر مستحضرا للمعنى منتبها للمذكور ، سمع الإمام علي كرم الله وجهه رجلا يقول : « استغفر الله ، فقال له : أتدري ما الاستغفار ؟ ، الاستغفار درجة العليين ، و هو اسم واقع على ستة معان : أولها الندم على مضى ، و الثاني العزم على ترك العود إليه أبدا ، و الثالث أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم ... و الرابع أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقها ، و الخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه ، و السادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية ، فعند ذاك تقول أستغفر الله » [30]  .

8-        الإنشاد الصوفـــي : و من الذكر ما جرت به سنة المسلمين من الاجتماع في حلقات في المساجد و غيرها لتعلم العلم و حفظ القرآن و تلاوته و ذكر الله و ترديد الأناشيد الدينية في محبة الله و رسوله ، يتخلل ذلك رفع الصوت بـ « الشهادتين » جماعيا بأصوات متناغمة مع التركيز و الاستغراق في الله تعالى و التدبر في معاني ما يتلى و يلقى و محاولة السمو إلى تلك المقاصد السامية قال سيدي عبد الوهاب الشعراني : « و قد أجمع العلماء سلفا و خلفا على استحباب ذكر الله تعالى جماعة في المساجد و غيرها ... بشرط أمن الرياء و عدم تأذي نحو مصل »[31]  .

           و نشير إلى أن النبي () كان له شعراء ينافحون عن الإسلام و ينشرون فضائله و كان () يطلب منهم المزيد و يجلس للاستماع إليهم و يكافئهم و قد يكون ذلك هو المقصود من قوله تعالى « إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و ذكروا الله كثيرا ...» [32] ، تعقيبا على ذم الشعراء و اعتبارهم من الغاوين ... .

9-            الحضــــــــــرة : و مع تصاعد صوت المنشد و عذوبته و رقته و سمو معاني النشيد              و جلال الممدوح و جماله ، يغمر أرواح الشيوخ و المريدين حالة من الترقي إلى عالم غير مرئي و حالة وجدانية ذوقية لا تستطيع اللغة التعبير عنها ... و هنا يدخل الجميع في « الحضرة » يسميها بعضهم «حضرة نورانية »  و يسميها آخرون حضرة قدسية ، و لعلهم يقصدون عروج الأرواح إلى حضرة المولى عز و جل و الانغماس في أنوار حضرته تعالى « ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم و لا خمسة إلى هو سادسهم و لا أدنى من ذلك و لا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا » [33]   و لذلك يحرص رجال التصوف على عقد جلسات دورية لأداء الأذكار و الأوراد و الأناشيد الصوفية و القيام بالحضرة حسب توصيات الشيوخ و برامجهم التعليمية .

10-      الاحتفال بالمناسبات و الأعيــــــــاد : إن الأعياد و الموالد و مناسبات الأفراح لهي من الفرص التي يجب أن تغتنم و يتم الإعداد لها بتحضير طعام الضيوف و أماكن اللقاء و إعداد المواكب و الوفود لزيارة الصالحين و شيوخ الطريقة و تجديد العهد و تلقي المدد و تفقد الإخوان  و السؤال عنهم ، و الاحتكام إلى الشيوخ و فض المنازعات ، إنها مناسبات يتلى فيها القرآن الكريم و تلقى فيها المواعظ الحسان و تعقد حلقات الذكر و الابتهال ، و تقام الحضرة في جو مهيب عجيب من الخشوع و الإشراق .

11-       الأحوال و المقامات – المكاشفات و الكرامات : قال رسول الله « حجبت النار بالشهوات و حجبت الجنة بالمكاره » - متفق عليه - [34]  ، لأن الإنسان خلق ضعيفا ... نفسه أمارة بالسوء متشوفة إلى الشهوات و زينة الحياة الدنيا ، و لكنها بالتزكية و التهذيب و صرفها إلى التطلع إلى الله عز و جل حسب أدب الطريق ، ستتغلب على العقبات ، و تعرض عن حجب الشهوات و تخترق أستار المكاره حجابا بعد حجاب ، و تتغير أحوالها من حال الصد و الجفوة و البعد إلى مقام الرضا و القرب و المشاهدة و المكاشفة و « الأحوال المصطلح عليها عند السادة الصوفية:  المحاضرة و المكاشفة و المشاهدة ، فالمحاضرة لأرباب التلوين ، و المشاهدة لأرباب التمكين و المكاشفة بينهما » و ننقل هنا بتصرف ما ذكره الإمام السهروردي حيث يقول : « فلا يزال العبد في خلوته يردد كلمة التوحيد لا إله إلا الله بلسانه و قلبه حتى تصير الكلمة متأصلة في القلب مزيلة لحديث النفس و يتحد الذكر مع رؤية عظمة المذكور فلو سكت اللسان لم يسكت القلب ... و هذا الذكر هو المشاهدة و المكاشفة و المعاينة » [35] ، و هذا لطمأنة المؤمن و تثبيته على الطاعة و إعانة الأولياء على الدعوة إلى الله و هداية الناس بالآيات البينات و الخوارق و الكرامات ، وقد سئل بعض العارفين ، لماذا كثرت الكرامات في الزمن المتأخر ؟ « فأجاب بأن ذلك لضعف اعتقاد المتأخرين فاحتيج لتأليفهم بالكرامات ... ليثبتوا على الإيمان »[36]  .

و الكرامة عند جمهور أهل السنة هي أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ، تظهر على يد عبد سليم الاعتقاد ظاهر الصلاح ملتزم بحدود الله ... و الولاية هي « اصطفاء من الله و ليست مكتسبة كالنبوة » [37]   .

و قد أيد الله أنبياءه بالمعجزات و أكرم أولياءه بالكرامات و لهذا بوب الإمام النووي بقوله  « باب كرامات الأولياء و فضلهم» في كتابه رياض الصالحين ، نقلنا منه حديثا سابقا ، و نكتفي هنا بما أورده عالمان من أهل السنة في موضوع العقائد :

أ‌-  ما قرره الإمام السلفي المذهب أبو جعفر الطحاوي قال « و المؤمنون كلهم أولياء الرحمن ، و أكرمهم عند الله أطوعهم و أتبعهم للقرآن، نؤمن بما جاء من كرماتهم و صح عن الثقات من رواياتهم »  .

ب‌-  و يقول شيخ الإسلام الأشعري العقيدة إبراهيم بن محمد البيجوري عند شرحه لقول المصنف :

 و أثبتن للأوليا الكرامــــــــــــة

 

و من نفاها فانبذن كلامــــــــــــه

يقول الشارح : « اعتقد ثبوت الكرامة للأولياء بمعنى جواز وقوعها لهم في الحياة و بعد الممات ، كما ذهب إليه جمهور أهل السنة ، ولذا قيل : من لم تظهر كرامته بعد موته كما كانت في حياته فليس بصادق ...»[38]  ثم إن أولياء الله كانوا لا يحبذن ظهور الكرامات خوفا من فتنة العوام  و ضعاف الإيمان ، نقل الشيخ محمد الأمير في حاشيته : « طلب بعض الفقراء من سيدي عبد العزيز الدريني (ض) وقوع كرامة ، فقال لهم : يا أولادي و هل ثمة كرامة لعبد العزيز أعظم من أن الله يمسك به الأرض و لا يخسفها به و قد استحق الخسف من زمان بعيد ... » رحم الله هذا الشيخ العارف ، فمهما وقعت المعجزات و ظهرت الكرامات فهي مجرد تنبيهات محدودة بالزمان و المكان ، و قد علم الله ذلك فأقام الشواهد الناطقة          و البراهين الصادقة على وجوده  سبحانه و تعالى، قال عزوجل: « و في الأرض آيات للموقنين ، و في أنفسكم ، أفلا تبصرون » [39] .

 هـ ـ الطريقـــة الشاذليــــة: هذه الطريقة نموذج حي للتصوف الإسلامي السني ، وتطبيق أمين لقواعد وضوابط المدرسة الصوفية، وهي طريقة عالمية شيوخها ومريدوها منتشرون في كل أنحاء العالم* ، وزواياها كالنجوم الزاهرة في السماء ،ونكتفي في هذه العجالة بتعريفها بإيجاز في النقاط التالية معتمدين في هذا على كتاب «أبو الحسن الشاذلي » للدكتور عبد الحليم محمود، وعلى «أوراد الطريقة الشاذلية » لـ :نوح حا ميم كلر .

1ـ مؤســــسهـــــا : هو السيد العارف بالله الوارث المحمدي المحقق أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار ...... الشاذلي المغربي، ينتهي نسبه إلى سيدنا الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما .

 2ـ مولـــــــــده : ولد بالمغرب بقرية «غمارة» قرب سبته سنة 593 هـ ، وتوفي رحمه الله وهو في طريقه إلى الحج بصحراء «عيذاب » بمصر ودفن هناك سنة 656 هـ      و عمره 63 .

3- دراستـــــــــه :  درس ببلده العلوم الشرعية و برز فيها ، يقول ابن عطاء الله خليفته الثاني : « أنه لم يدخل طريق القوم حتى تهيأ للمناظرة في العلوم الظاهرة ... » بيد أن هذه العلوم الظاهرة  لا تفضي بالنفوس الطموحة إلى الكف عن التطلع نحو عالم الغيب و استشراف آلائه  و أنواره ، و هذا ما دفع الشيخ إلى الرحلة  .

4 -  رحلة البحث عن الحقيقـــة : و رحل عن بلده باحثا عن شيخ عارف و طال به البحث حتى بلغ بغداد التي كانت محط أنظار طلاب الدنيا و الدين ، تضم كبار الفقهاء و الأولياء                  و المحدثين ... و على رأسهم « أبو الفتح الواسطي » ، و سر بهذا اللقاء و اقترب أكثر من هذا الشيخ الولي حتى فاجأه ذات يوم بقوله : « أنت تبحث عن القطب بالعراق ، مع أن القطب ببلادك   إرجع إلى بلادك تجده » .

5- عودته إلى المغرب و لقاؤه القطب :  و عاد إلى «غمارة» بالمغرب قلبه متشوق إلى لقاء القطب ، و إذا أراد الله بعبد خيرا هداه إلى غايته ، و هذا ما حصل له ، يقول سيدي أبو الحسن الشاذلي : « لما قدمت عليه و هو ساكن بمغارة في رأس جبل ، اغتسلت و خرجت من علمي و عملي و طلعت إليه فقيرا ... و إذا به هابط إلي و عليه مرقعة ، فقال لي : مرحبا بعلي بن عبد الله  ابن عبد الجبار و ذكر نسبي إلى رسول الله () ... ثم قال لي : « يا علي طلعت علينا فقيرا من علمك و عملك ، فأخذت منا غنى الدنيا و الآخرة ... » فأقمت عنده أياما إلى أن فتح الله على بصيرتي[40] ، فمن هو هذا الغوث الرباني ؟ إنه شيخ أبي الحسن الشاذلي سيدي عبد السلام بن مشيش .

     6- قبسات من نور الولي القطب عبد السلام بن مشيش :  إنه القطب الأكبر و العلم الأشهر و الطود الأظهر ، طريقته ترياق شاف لأدواء العباد ، و ذكره رحمة نازلة في كل ناد ، قضى عمره في العبادة ، و قصده للانتفاع به أهل السعادة ، كانت مكانته بالمغرب كمكانة الشافعي في  مصر، و مالك في المدينة ، متمسكا بالكتاب و السنة عاملا بهما [41] يقول الشيخ أبو الحسن : « دخل رجل على أستاذي و قال له : وظف لي وظائف                    و أورادا ، فقال له الشيخ عبد السلام : «أرسول أنا أوجب الواجبات ... الفرائض معلومة                          و المعاصي معروفة ، فكن للفرائض حافظا و للمعاصي رافضا»... و حب الله قطب تدور حوله الخيرات و أصل جامع لأنوار الكرامات »[42]  .

7- رحلة الشيخ أبي الحسن إلى« شاذلة »:لقد بهر الشيخ بن مشيش(559 – 626 هـ) الراغب المريد أبا الحسن بعلمه المشيد على الكتاب و السنة و بولايته و كراماته ، فصحبه و لازمه إلى أن أذن له بالرحيل و رسم له طريقه و قد أطلعه الله عليه فقال له : « يا علي ارتحل إلى إفريقية و اسكن بها « شاذلة » فإن الله يسميك الشاذلي ثم تنتقل إلى تونس و منها ترحل إلى المشرق و ترث هناك « القطبية » » و حين وصل إلى شاذلة التف حوله الناس  و أقبلوا عليه ... فخشي على نفسه و شعر بالحاجة إلى المزيد من المجاهدة و إلى التفرغ للعبادة و الترقي في مدارج السالكين ، فارتحل إلى جبل « زغوان » بضواحي شاذلة بعيدا عن الناس و المدينة ، و صحبه في خلوته في الجبل الشيخ  « أبو محمد الحبيبي » من أهل البلد و هو رجل صالح له مكاشفات و هو الذي روى كثيرا من كرامات الشيخ في الجبل ، فقد تفجرت لهما عين تجري بماء عذب ، و كان يرى - حقيقة لا توهما أو تخيلا – أرواح الأنبياء تأتي الشيخ تبشره      و تؤنسه ، و الملائكة تحف به و تسلم عليه « إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ... » [43]  ، كما يروى عن بعض الصحابة أنهم كانوا يشاهدون الملائكة على خيول يقاتلون مع المسلمين في غزوة بدر و أحد* ، يقول الإمام أبو حامد الغزالي : « و من أول الطريق تبدأ المكاشفات و المشاهدات ، حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة و أرواح الأنبياء و يسمعون منهم أصواتا و يقتبسون منهم فوائد »[44]  .

8 – النزول إلى تونس : انتهت المدة التي قدر الله أن يقضيها الشيخ في خلوته بجبل  « زغوان » و في « شاذلة » و أعطت ثمارها ، فأضحت نفسه خيرا كاملا و نورا يستضاء به و حانت مرحلة العمل و المجاهدة بشكل آخر و أحس بنداء يلح عليه «يا علي اهبط إلى تونس لينتفع بك الناس » و ما إن دخلها - و قد سبقه صيته و ذكره – حتى التف حوله الناس وفي مقدمتهم العلماء و الشيوخ الأفاضل : أبو الحسن الصقلي ، و أبو عبد الله الصابوني ، و أبو محمد الزيتوني ... و غيرهم و كلهم أصحاب كرامات ، و تكاثر حوله المريدون مما جعل قاضي القضاة الفقيه  « إبن البراء » يمتلئ حسدا و يخشى على زعامته الدنيوية و يكيد للشيخ ، لكن الشيخ صبر و احتسب و اعتبر ذلك نوعا جديدا من المجاهدة .

9- خروجه إلى الحج ونزوله بالأسكندرية : أمر الشيخ أصحابه بالاستعداد إلى الحج قبل موعده بزمن طويل و كان ينوي الإقامة بمصر بعض الوقت ، و خرجت تونس كلها مودعة               و أرسل السلطان وفدا يودعه و يرجوه العودة فقال الشيخ : « ما خرجت إلا بنية الحج » و لما وصل الإسكندرية حط رحاله بها و سمع الناس بخبره فقصدوه ، و طلب منه بعضهم التوسط لدى السلطان ليرفع عنهم مظالم واليه على الأسكندرية ، و سافر الشيخ إلى القاهرة و لما وصل إلى القلعة استأذن فقال السلطان متعجبا ، كيف جاء و دخل القاهرة و قد أمرنا أن يقبض عليه(بسبب رسالة من قاضي القضاة بتونس يحرض على الشيخ) ثم أذن له و سأله بخشونة ، فرد الشيخ عليه   أنا و أنت و جميع الخلائق في قبضة الله ، ثم قام منصرفا ، و إذا بالسلطان يصاب بشلل تام فلا يتحرك أو يتكلم ... فأسرع الخدم و الأعوان وراء الشيخ يقبلون يديه و يرجون عودته ، فرجع إليه و حركه بيده ففطن و نزل من سريره و طلب من الشيخ العفو و الدعاء ، و استضافه في القلعة  و رفع عن الناس جميع المظالم .

10 – عودته إلى تونس و لقاؤه أبا العباس المرسي (م 616 هـ) : فلما أتم الحج و العمرة أفاض عائدا إلى تونس و في هذه الأثناء وفد من بلاد الأندلس «مرسية» الولي العارف أبو العباس المرسي  فلما اجتمع به الشيخ و رآه قال : « ما ردني إلى تونس إلا هذا الشاب » و لازمه فلم يفارقه بعد ذلك إلى أن فارق الحياة ، فكان الخليفة الذي تحمل أعباء الطريقة و أسرارها و نال بركات الشيخ و أنواره ، و سرعان ما سطع نجمه في سماء مصر في عالم التصوف .

11- الرحيل إلى مصر و الإقامة بها : يقول الشيخ « رأيت النبي في المنام فقال لي : يا علي انتقل إلى الديار المصرية ...» و فعلا  سافر الشيخ و نزل بالإسكندرية سنة 642 هـ و سكن ببرج من أبراج السور حبَّسه السلطان عليه و على ذريته ، و تزوج و أنجب ، و عن معيشته بمصر يقول في إحدى رسائله : « نحن في سوابغ النعم نتقلب ، و هو بفضله و وده إلينا يتحبب ، و قد نوديت : يا علي  ذهبت أيام المحن و أقبلت أيام المنن فلله الحمد كثيرا».

12 – إقبال أهل مصر عليه : كانت مصر في أيامه تعيش فترة استقرار و ازدهار بها جماعة من العلماء الأبرار ، فأقبلوا على الشيخ في تآخ و حب عجيب ، يقول ابن مغيزل : «  إن الشيخ (ض) لما قدم إلى مصر صار يدعو الخلق إلى الله تعالى فتصاغروا أمامه و خضع لدعوته الناس جميعا ، و كان يحضر مجلسه أكابر العلماء ، و منهم : الشيخ العز بن عبد السلام ، و الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ، و الشيخ بن الصلاح ، و الشيخ بن الحاجب ... كانوا يحضرون ميعاده بالمدرسة «الكاملية» بالقاهرة في أدب و خشوع [45] و إذا حضر من الحج يقابله وفد كبير على رأسه سلطان العلماء .

13 ــ طريقته: أصولها وسندها : تقوم الطريقة الشاذلية على نفس القواعد التي ذكرناها في    « ضوابط التصوف» كما يتجلى ذلك من سيرة مؤسسها : التزام بالكتاب والسنة ، وطلب للعلم  ومجاهدة للنفس، وبحث عن الحقيقة، وصحبة شيخ عارف، و مكاشفات وكرامات ، ودعوة إلى الله ومواظبة على الأذكار والأوراد ،وقد لخص الشيخ زروق أصولها في خمسة أشياء : « تقوى الله في السر والعلانية، واتباع السنة في الأقوال والأفعال، و الإعراض عن الخلق، والرضا عن الله في القليل والكثير، والرجوع إليه في السراء والضراء » [46]  .

أما سند الطريقة وشيوخها الكرام ، فقد أخذ الشيخ أبو الحسن الطريقة من جهتين :

أ ــ بطريق الخرقة والتبرك : أخذها عن جماعة من الأقطاب الواصلين منهم السادة :محمد بن علي بن حرزهم... عن أبي مدين شعيب الأنصاري عن عبد القادر الجيلاني ... عن أبي القاسم الجنيد البغدادي ... عن الحسن البصري ، عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ،عن رسول الله ()(قد حذفت هنا أسماء بعض المشائخ ووضعت مكانها نقاطا للاختصار).

ب ــ وبطريق المجاهدة والصحبة أخذ عن جماعة كلهم أقطاب عارفون منهم سيدي عبد السلام بن مشيش ، عن عبد الرحمن المدني العطار ........... عن أول أقطاب هذه الأمة الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما عن رسول الله () [47] (نفس الملاحظة).

14 ــ أوراد الطريقة الشاذلية : زيادة على الأذكار المعروفة المأثورة من تهليل وتكبير وتسبيح وتحميد واستغفار ، فإن للشيخ أبي الحسن أورادا جليلة القدر كثيرة النفع تدل على تمكنه ومكانته في علمي الشريعة والحقيقة، فيها تمجيد وتعظيم لله تبارك وتعالى « وقد ثبت باتفاق أقدم المصادر أربعة أوراد (أحزاب) هي : حزب البحر ، الحزب الكبير، حزب النور، حزب الشيخ» [48]  وللشيخ دعوات مأثورة ،وله ورد عام يسمى (الوسيلة) ، تعتمد ه جميع الطرق المنتمية للطريقة الشاذلية وهذا نصه :

 الـــــــورد العــــام (الوسيلة) وفيها سر الطريق يقول المريد صباحا ومساء : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (مرة) ، بسم الله الرحمن الرحيم  (3 مرات)، ثم يقرأ قوله تعالى : وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ   عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم  (1) ، ثم يقول  أستغفر الله (99) و تمام المائة : استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه  ، ثم يقرأ قوله تعالى « إن الله و ملائكته يصلون على النبيء يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما » (01)  ، ثم يقول : اللهم  صل على سيدنا محمد عبدك و رسولك النبي الأمي و على آله و صحبه و سلم (99) و تمام المائة « اللهم صل على سيدنا محمد عبدك و رسولك النبي الأمي و على آله و صحبه و سلم تسليما بقدر عظمة ذاتك في كل وقت وحين  ثم يقرأ قوله تعالى : فاعلم أنه لا إله إلا الله (1) . ثم يقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير (99) و تمام المائة لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم ... ثم يقرأ سورة الإخلاص مع البسملة (3) ، و يختم بالفاتحة مع البسملة (01) .

ثم يدعو لنفسه و لأبويه و لشيخه و لإخوانه من الفقراء الصوفية و لجميع المسلمين.

15- من أقوالـــــــــــــه (ض)  : و إن كان الشيخ قد أطال الدرس و البحث و النظر في الكتب ، فإن علمه ليس مكتسبا من الصحائف و إن كلامه ليس تقليدا للمباني و لا توليدا للمعاني   « و إنما هو إلهام و بصيرة و نور من الله تعالى ...و مع بلوغه هذه المنزلة لم يزدد بعلمه و عمله إلا افتقارا إلى ربه و تواضعا للمخلوقات ، و مما قاله رحمه الله :

-    لا تركن إلى علم ولا إلى مدد، و كن بالله و احذر أن تنشر علمك ليصدقك الناس [49].

-    إذا عارض كشفك الكتاب و السنة ، فتمسك بالكتاب و السنة و دع الكشف[50].

-      فمن أحب الله هان عليه كل شيء و من عرف الله صغر لديه كل شيء و من وحد الله لم يشرك به شيئا و من آمن بالله أمن من كل شيء [51] ...

-    و يقول أوصاني أستاذي فقال : « حدد بصر الإيمان تجد الله في كل شيء و عند كل شيء و مع كل شيء » .[52]

-    أوصاني حبيبي – النبي () - فقال : « لا تنقل قدميك إلا حيث ترجو ثواب الله و لا تجلس إلا حيث تأمن معصية الله ، و لا تصحب إلا من تستعين به على طاعة الله ، و لا تصطف لنفسك إلا من تزداد به يقينا » .[53]

16ـ من أقوال العلماء وشهاداتهم فيه :

ــ قال سيدي أبو العباس المرسي : لقد صحبت أقواما يعبر أحدهم على الشجرة اليابسة فيشير لها فتثمر للوقت [54].

ــ ويقول ابن عطاء الله : جاء في هذه الطريقة بالعجب العجاب،وشرع في علم الحقيقة الأطناب،و وسع للسالكين الرحاب .

ــ ويقول الإمام مفتي الاسلام القشيري: ما رأيت أعرف بالله من الشيخ أبي الحسن الشاذلي.

ـ ويقول الشيخ مكين الدين الأسمر: مكثت أربعين سنة يشكل علي الأمر في طريق القوم فلا أجد من يزيل عني إشكاله ، حتى ورد الشيخ أبو الحسن فأزال عني كل إشكال.

ـ على أن شهادة شيخ الإسلام العز بن عبد السلام هي التي يقدرها أهل الظاهر والباطن .... فقد حضر الشيخ أبو الحسن مجلسا للعلماء فتكلموا وهو صامت ولما فرغوا طلبوا منه أن يتكلم وألحوا عليه ، فتكلم فأبدع ،فقال الشيخ بن عبد السلام : (اسمعوا هذا الكلام الغريب القريب العهد من الله تعالى) [55] .

17ــ وفاته رحمه الله تعالى: وفي شهر شوال سنة 656 هـ خرج الشيخ إلى الحج مع أصحابه وفي إحدى الأمسيات نزل  بصحراء (عيذاب) بمكان يسمى (حميـثــــرة) فجمع أصحابه وأوصاهم (بحزب البحر) وقال لهم : حفظوه لأولادكم فإن فيه اسم الله الأعظم،ثم خلا بخليفته أبي العباس المرسي وأوصاه بأشياء واختصه بما شاء الله من الدعوات والأسرار ثم توجه إليهم قائلا : إذا أنا مت فعليكم  بأبي العباس فإنه الخليفة من بعدي وسيكون له بينكم مقام عظيم ، وهو باب من أبواب الله سبحانه وتعالى ...... وبات ليلته تلك ذاكرا مهللا يسمعه أصحابه ...... فلما كان السحر فاضت روحه إلى بارئها ، وجاء أصحابه فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفن حيث توفاه الله  [56] ،رحمه الله ورضي عنه ونفعنا ببركاته .

و ــ الطريقة البلقــائديــة صوفيــة شاذليـــة : مما سبق بيانه تتكشف معالم « الطريقة البلقائدية » ووتتجلى أصولها التي وضعها رائد حركة التصوف وإمام أهل الطريق أبو القاسم الجنيد البغدادي (215 -257 هـ) ، وأحكم بناءها العالم الرباني المجدد الملهم سيدي أبو الحسن الشاذلي   ومرجعنا في هذا الفصل أربع قصائد: الأولى لسيدي محمد الهبري والثانية لسيدي محمد بلقائد والثالثة لسيدي محمد متولي الشعراوي والرابعة عن (صحبة الفقراء) لسيدي أبي مدين الغوث ،ومعها معلومات قليلة منشورة على احد المواقع ،واستنتاجات عامة مؤيدة بوضعها في الإطار العام الذي سبق الحديث عنه ، ومؤكدة بما سنورده من نصوص وثيقة الصلة بالموضوع، فنقول وبالله تعالى التوفيق.

1ـ مؤسس الطريقة : هو الشيخ العارف بالله الإمام القدوة سيدي محمد بلقائد بن أحمد بن الحاج محمد العربي....... الشريف الحسني الإدريسي ، إليه وإلى أستاذه الهبري تنسب هذه الطريقة المباركة  والأصح أنه – رحمه الله- محي الطريقة وناشرها كما فعل من قبله أستاذه وشيخه أبو الحسن الشاذلي الذي أخرج الطريقة – بمصطلح العصر- من المحلية إلى العالمية ، وهذا ما فعله سيدي محمد بلقائد مع الطريقة الهبرية الدرقاوية الشاذلية ،فقد جرت سنة الله على الطرق الصو فية ــ وكغيرها من الأشياء ــ  أن تمر بفترات جمود وتراجع ، وأن تشهد مراحل تجديد وتطور،وقد تعهد الله عز وجل بالأخذ بأيدي عباده « فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون » [57]  وقد اقتضت سنة الله تعالى أن يظهر الإمام المجدد، وهكذا ولد محيي الطريقة وباعثها سيدي محمد بلقايد.

2ــ مولـــده وطلبه العلـــم *: ولد – رحمه الله – سنة 1911 م بتلمسان في أحضان عائلة شريفة معروفة بالصلاح وطلب العلم ، يرتفع نسبها إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما وكانت تلمسان – عاصمة الزيانيين ـ- تحتفظ بأعراف ثقافية وبمراكز إشعاعية وكانت قريبة من جامعة القرويين بفاس مما جعلها مركزا يستقطب رجال العلم والفكر...... وكعادة الأسر الشريفة الحرص على تعليم أبنائها وتحفيظهم القرآن في سن مبكرة، فأدخل الطالب ( محمد بلقائد) الكتاب وسرعان ما حفظ القرآن وبدأ يتوق إلى المزيد فانتسب إلى حلقات العلم .... واجتهد في الطلب على كبار علماء تلسمان في العقدين الثاني والثالث من القرن الماضي، من أمثال: العلامة سيدي أحمد الأزهري  وسيدي حسين البحار، والشيخ أحمد الخالدي، والشيخ بن ناصر...... ولما كان هذا الطالب مهيأ لأمر آخر.....فلم تشف نفسه كتب العلم ودروس المشائخ فلجأ رغم صغر سنه إلى الشيخ سيدي محمد الهبري عله يجد لديه ضالته ويتعلم منه ما لا يعلمه غيره ، « ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون » [58] ،فوجد الطالب الشيخ العارف فصحبه وتأدب بطريقته.

3ـ انتسابه إلى الطريقة الهبرية  : وقد كان والده وأجداده من قبله منتسبين لهذه الطريقة الشريفة والتي يقول عنها الشيخ الشعراوي  رحمه الله:  

نـــــــور القلوب وري روح الوارد

 

هبرية تدني الوصول لعابــــــد

تزهــــــــــــو بسلسة لها ذهبية

 

من شاهد للمصطفى عن شاهد

و كان الطالب (محمد بلقائد) يتطلع إلى ذلك النور فانتسب إلى هذه الطريقة و لما يتجاوز الثالثة عشرة من عمره بتوفيق من الله ، فكان يطلب علوم الشريعة من شيوخه و كلما ازداد علما زاد شعوره بالضعف الإنساني و الحاجة إلى المدد الإلهي « وقل رب زدني علما » و كان يسعى إلى معرفة الحقيقة باتباع طريقة شيخه الهبري و كأن قوة مغناطيسية تشده إليها ، أو لعل روح سيدي أبي مدين الغوث كانت تناجيه و تستنهضه ليلحق بالركب الذي هيء في علم الله ليكون قائدا له ، يقول سيدي أبو مدين رحمه الله:

 ما لذة العيش إلا في صحبة الفقرا

 

هم السلاطين و السادات و الأمرا

فاصحبـــــهم و تأدب في مجالسهم

 

و خل حظك مهما قدمــــــوك ورا

و هكذا انغمس الطالب المريد في آداب الطريق و في صحبة شيخها و محبته و طاعته و بلا شك فإن شيخه سيدي محمد الهبري  لاحظ فيه الاستعداد الفطري الذي وهبه الله إياه و أدرك أنه الوارث المحمدي للطريقة من بعده و أنه أهل لأن يكون حامل لواء الصالحين و رافع راية الدعاة المرابطين فأولاه عناية خاصة و أخضعه للتجربة و الامتحان و هو القائل :

 لقد صحبت الإخوان و الله شاهد

 

فجرب ، ففي التجريب علم الأفاضل

عليك بذكر الاسم يا صاح إنـــــه  

 

صفاء و نور للقلوب من الخبــــــــل

عليك بذكر الاسم في كل ساعـــة

 

يبصرك ما في العلو و في السفـــــل

4- امتحانه للمريدين :  يقول الشيخ سيدي محمد الهبري : « لا يدخل في طريقتنا إلا من كان مكتوبا من السعداء في اللوح المحفوظ »[59] و لذلك كان يمحص المريدين بأنواع من الذكر و أشكال من المجاهدة و الخلوات و الابتلاءات ، ما تنقطع له العزائم و الظهور ... حتى تنقاد النفس الأمارة بالسوء و تصفو من الأكدار ... و على حد تعبير منظر المدرسة الصوفية أبي حامد الغزالي : « فإن المجاهدة تفضي إلى المشاهدة ،و الجلوس مع الله تعالى في الخلوة مع صفاء القلب فذاك مفتاح الإلهام و منبع الكشف ... »  .

و الابتلاء من سنن الله لعباده عامة و لأحبابه و أوليائه خاصة قال تعالى : « و لنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم و الصابرين و نبلوا أخباركم »[60] ، و على هذا جرت عادة الناس بتجريب كل راغب في أمر ما ، و رحم الله صاحب الحكم الخالدة الشاعر الفذ « المتنبي» حيث يقول :

لولا المشقة ساد الناس كلهموا

 

الجود يفقر و الإقدام قتـــــــــــال

فلا بد لمن يريد العلا من اجتياز المشقات و صعود العقبات و قد وفق الله سيدنا محمدا بلقائد إلى أداء ما فرضه عليه شيخه من الأوراد و الأذكار و العبادات و الطاعات حتى فتح الله له من لطائف الحكمة ما تحار فيه العقول ، و من الإلهام ما لايدرك بالنصوص و النقول ، و جاءه الإذن بالبوح بما في القلب يجول ، فأنشد يقول :

جذبتني بحســـن ضوء وجهها

 

سقتني كأسها من عتيق الخمـــــــــر

غيبتنــــــــي عني بسر التجلي

 

لكعبة الحق فاسجد و كبــــــــــــري

تحسبها غيري و لست سواها

 

في « قاب قوسين » لم أر غيــــري

هي عين ذاتي و شمس صفاتي

 

و مظهر وجودي في شفعي و وتــري

 5- الإذن للشيخ بلقائد من شيخه محمد الهبري : و قد أصبح الطالب شيخا عارفا بالله ، أتم الكلمات و اجتاز الابتلاءات فأخذ على شيخه الهبري العهد و خصه بما شاء الله من الأسرار  و الدعوات ، و أذن له بالبوح بما يجد من الأشواق و الأحوال ، و مباشرة الدعوة إلى الله ، و تلقين الاسم الأعظم لمن هو أهل له ، و حمل راية الطريقة الهبرية و نشرها ، و كأنه يوصيه قائلا :

خذ الحق و التحقيق عن مرء ناصح

 

ليطوى لك بعد المسافة بالكــل

و لا تركنـــــــن إلى الظواهر ظاهرا

 

و تزعم أنك تصل إلى الأصــل

فهــــــــــــــــذا محال لا تصل لسره

 

إلا أن تطوى لك العوالم بالكل[61]

6- تيسير الطريقة البلقائدية : استجاب الله لدعوات الشيخ الهبري و كتب القبول لتلميذه الشيخ محيي السنة و مجدد الطريقة « محمد بلقائد » و فتح الله تعالى للأمة بابا من أبواب رحمته التي وسعت كل شيء ، و منح عبده ميزة تمتاز بها طريقته و هي : « التخفيف من تلك الخلوات التي كانت تستغرق السنوات ، فأصبح الشيخ « بلقائد » يتقبل المريد بعد فترة وجيزة من الامتحان حسب صدق و نية كل أحد ثم يوصيه بالاندماج في المجموعة القريبة منه ، و هذا اقتداء بجده () الذي طلب من ربه أن يخفف عن الأمة الصلاة المكتوبة من خمسين إلى خمس[62] ، و قد ذاع صدى هذه الطريقة  و سطعت أنوار شيخها بما من الله عليه من كرامات و بركات حتى ليصدق فيه قول من قال :

فأكرمنــــــــي و توجني بتاج

 

يقوم بسره قطب الزمـــــــــــــان

و أمرني علـى الأقطاب حتى

 

سرى أمدي بهم في كل شــــــان

و أطلعنــــــــي على سر خفي

 

و قال : الستر من سر المعاني[63]

7- اهتداء الشيخ الشعراوي إلى الإمام الرائد : ساق الله تعالى الشيخ العلامة الأزهري سيدي محمد متولي الشعراوي (1911-ـ 1998) إلى الجزائر في الستينات من القرن الماضي على رأس البعثة العلمية المصرية ، و علماء الأزهر خاصة معتدون بعلمهم ، و الشيخ الشعراوي قمة في علوم الظاهر ليس من السهولة إقناعه بأي كلام ، ثم ساقه القدر إلى تلمسان و التقى هناك بالشيخ سيدي محمد بلقائد و استمع إليه و تعرف على طريقته التي وجد فيها ما كان يبحث عنه ... و ينطبق على هذا الموقف قول الشيخ إبراهيم الدسوقي (633 ـ-676 هـ) حيث يقول :

كـــــم عالم قد جاءنا و هو منكر

 

فصار بفضل الله من أهل خرقتــي

و ما قلت هذا القول فخرا و إنما

 

أتى الإذن كي لا يجهلون طريقتي[64]

و يسجل هذا اللقاء الشيخ الشعراوي في قصيدة من عيون الشعر الصوفي وكانت عاملا ساهم في نشر الطريقة البلقائدية لما يتمتع به الشيخ الشعراوي من مكانة لدى المسلمين والذي يهمنا من تلك القصيدة هو ما يلي :

أ – حيرتــــــــــــــــــه : فرغم علمه الغزير و تخرجه من الأزهر الشهير ، فلم تغن عنه علوم الظاهر شيئا ، و بقي الشك يراوده و الحيرة تطارده ، و هذا ما وقع مثله للإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي قبل انخراطه في مدرسة التصوف و سلوكه طريق القوم .

ب - بحثه عن إمام رائد من أهل الحقيقة يرشده و يزيل حيرته : بحث عنه في المشرق  و المغرب، في السعودية بلد الحرمين الشريفين ، و في مصر أرض الكنانة ، و غيرهما من الأقطار   و لكن نفسه لم تشف من حيرتها و إن شكوكه ازدادت على حد قول الشيخ مكين الدين (مكثت أربعين سنة يشكل علي طريق القوم فلما قدم الشيخ أبو الحسن إلى مصر أزال عني كل إشكال)[65] ، وهذا ما وقع للشيخ الشعراوي و قد سجل ذلك في قصيدته « نور القلوب » حيث يقول :

طـــــوفت في شرق البلاد و غربها   

 

و بحثت جهدي عن إمام رائد

أشفـــــــــي به ضمأ لغيب حقيقة

 

و أهيم في جلال مشاهــــــــد

فهداني الوهاب جل جلالــــــــــه

 

حتى وجدت بتلمسان مقاصـدي

و اليوم آخذ نورها عن شيخـــــنا

 

محيي الطريق محمد بلقائـــــد

ج- اكتشافه الحقيقة و أخذه الطريقة : و كأنه تذكر مقالة الشيخ سلطان العلماء ، حين سمع كلام أبي الحسن الشاذلي فقال معقبا : « اسمعوا هذا الكلام الغريب القريب العهد من الله ...»[66] ، يقول الشيخ الشعراوي بعد اكتشافه الحقيقة :

ذقنا مواجيــــد الحقيقة عنده

 

و به عرجنا في صفاء مصاعد

عن شيخه الهبري در كنوزه

 

فاغنم لآلئه و جد و جاهـــــــــد

دنــــــدن بما لقنته من ورده

 

بصفاء نفس متيم متواجـــــــــد

شاهــــــــــد رسول الله فإنه

 

إرث توورث ما جدا عن ماجد

د- رده على لائميه : توقع الشيخ إنكار المنكرين عليه فدعا إلى الإعراض عنهم متمثلا قوله تعالى  « و اعرض عن الجاهلين »[67]  فقال :

لا تلـــــــــق بالا للعـــذول فإنه 

 

لارأي قط لفاقد في واجـــــــد

سر في طريقك يامريد ولاتعر

 

أذنا لصيحـــة منكر ومعانـــد

لا يستــــوي عند العقول مجاهد

 

في الله قوام الـــدجى بالراقــد

   وقد عاش الشيخ بعد ذلك اللقاء نحو 30 سنة وتجددت له تجارب ومعارف وبلغه – بلا شك- اعتراض البعض على دخوله في الطريقة البلقائدية ، ومبايعته شيخها، ولم نسمع أو نقرأ تراجعا من الشيخ الشعراوي – رغم ظهوره الإعلامي الكثيف- عن تسليمه لصاحب الحجة والبرهان وإمام الوقت والزمان ، وظل عند قوله :

إياك من لفـــــــت الفؤاد لغيره

 

و اجعل سبيلك واحدا للواحــد

فإذا وصلت به لنور المصطفى

 

فالمصطفى لله أهدى قائــــــد

وهناك تكشف كل ســر غامض

 

وتشاهد الملكوت مشهد راشد

8 ـ انتشار الطريقة : ساعد هذا اللقاء الذي كان بتقدير إلـــهي بين الشيخ القطب العالم بالشريعة ، العارف بالحقيقة وبين الشيخ العلامة القادم من أرض الكنانة ، وقد أعلن أمام الملأ ، وفي قصيدة منشورة اكتشافه الحقيقة وأخذه الطريقة المنقولة عن رسول () ، ساعد هذا اللقاء في انتشار الطريقة في ربوع الجزائر أولا ثم في الخارج ثانيا ، وتكاثر الأتباع وتقاطر المريدون على الشيخ من كل فج عميق ، وكأنهم يلبون طلب سيدي عبد القادر الجيلاني (471-561 هـ) حين قال :

فمن كان يهوانا يجي لمحلنا

 

ويدخل حمى السادات يلق الغنيمة

فلا عالــــــم إلا بعلمي عالم

 

و لا سالك إلى بفرضي و سنتـــي

 و هكذا شيدت الزوايا التابعة للطريقة و قامت في كل مدينة من الوطن زاوية تقام فيه الصلوات و يتلى القرآن و تعقد جلسات الدرس و حلقات الذكر و تلقين المريدين أصول الطريقة و أورادها ، و بلغ صداها بقية الأقطار و أقبل عليها الناس في شتى الأمصار .

9- ورد الطريقة البلقائديـــــة : و هو نفس الورد العام السابق المسمى « الوسيلة » غير أن فيه بعض التخفيف رحمة بالمؤمنين  و هذا نصه : ورد الطريقـــة البلقائدية :

1-   أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم (مرة)

2-   باسم الله الرحمن الرحيم (3 مرات )

3-   و ما تقدموا لأنفسكم من خير ...إلى آخر الآية (1)

4-   استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه (33)

5-   إن الله و ملائكته يصلون على النبيء ... إلى آخر الآية (1)

6-   اللهم صل على سيدنا محمد عبدك و رسولك النبي الأمي و على آله و صحبه و سلم تسليما (33) .

7-   فاعلم أنه لا إله إلا الله ( مرة واحدة1)

8-   لا إله الله وحده لا شريك له الملك و له الحمد يحيي و يميت وهو على كل شيء         قدير (33)

9-   باسم الله الرحمن الرحيم ،  و قراءة سورة الإخلاص  (3)

10-      باسم الله الرحمن الرحيم ثم سورة الفاتحة مرة واحدة .

11-      سورة الفتح (1)

12-      الدعاء لنفسه و لوالديه و مشايخه و للمسلمين جميعا .

13-      و يستحسن أن يكون عقب صلاة الصبح أو المغرب ، فإن كانوا جماعة ذكروا الله جهرا إن أمكن و لم يؤد إلى التشويش على الآخرين .

قال سيدي عبد الوهاب الشعراني: « كل شيخ قد جعل الله مدده وسره و سر طريقته في أوراده التي يأمر بها المريد ، فمن ترك ورده فقد نكث عهد شيخه ، و أجمعوا على أنه ما قطع مريد ورده إلا انقطعت عنه الأمداد في ذلك اليوم ... » [68] .

10 – أصول طريقته ... و سندها : إن جذور هذا الفن راجعة إلى عهد النبوة حين كان الصحابة يتسابقون إلى الخيرات و سار التابعون على نهجهم إلى أن ظهرت المذاهب و المدارس الفكرية و تميز كل منها بخصائص ، و منها مدرسة التصوف التي تميزت بـ : إن أئمتها يجمعون بين علوم الظاهر و الباطن ، و إنهم يرفضون الجمود و القيود التي أخذت توضع على الفكر و الاجتهاد و إنهم لا حظوا الإقبال على مفاتن الدنيا ... فدعوا إلى تجديد الخطاب الدعوي و إلى العودة إلى الحياة الروحية ، كما أنهم رسموا طرقا للمجاهدة و تزكية النفس و وضعوا أصولا و ضوابط لفنهم  و مدرستهم سبق بيانها و كذلك أسندوا علومهم و معارفهم و طرقهم إلى رسول الله ().

و بالتأكيد فإن الطريقة البلقائدية تتسم بهذه الصفات و تلتزم بنفس الضوابط و الخصائص   و سيرة شيخيها الغائب و الحاضر  ، و انضباط أتباعها ،كلها دلائل شاهدة على ما نقول ، وهذا سندها   و نختصر على بعض العلماء الأعلام (و إن كان الجميع من الأقطاب الواصلين) و نقف في هذا السند عند سيدي أبي العباس المرسي ، فالسند عنده هو ما قدمناه عن شيخه أبي الحسن الشاذلي و الذي أخذه من طريقتين ذكرناهما سابقا .

فسيدي محمد بلقائد أخذ الطريقة عن الشيخ محمد الهبري ابن سيدي الحاج محمد الهبري عن سيدي قدور الوكيلي ... ... ... ... عن سدي العربي الدرقاوي ... ... ... ... عن سيدي عبد الرحمن المجذوب ... ... ... ... عن سيدي أحمد الزروق ... ... ... ... عن سيدي ابن عطاء الله السكندري   عن سيدي أبي العباس المرسي رضي الله عنهم أجمعين و نفعنا بهم (حذفنا هنا بعض الأسماء كما سبق الإشارة إليه).

11- و فــــــــاته و خليفتـه: بعد هذا الجهد و الجهاد الموفق و العمل الصالح الناجح و انتشار الطريقة اختار الشيخ الرفيق الأعلى و فارق الحياة الدنيا في 21/08/1998 بمدينة وهران ، ودفن هناك في زاويته الجديدة بسيدي معروف ، و يا لها من مصادفة ، سيد بجوار سيد ، و يا لها من مصادفة أخرى فإن ميلاد و وفاة الشيخين الشعراوي و بلقائد متزامنة .

و قد كان الشيخ رحمه الله قبل وفاته بزمن طويل يتطلع إلى تعيين خليفة من بين تلاميذه و مريديه ليواصل مشوار الشيوخ ، و لكن هذا الأمر ليس بيده ، فالولاية لا تكتسب بالعلم أو الإرث  و إنما هي هبة من الله و فضل منه يختص به من يشاء من عباده[69].

12-تعيين سيدي عبد اللطيف بلقائد خليفة : و جاء الإذن – و هو على حد تعبير الشيخ الشاذلي – (نور ينبسط على القلب يخلقه الله فيه ، فيتمدد ذلك النور على المراد ... فيدرك المريد ما يريد ...) [70]  و كان الخليفة المختار الذي أتى الإذن بتعيينه هو سيدي عبد اللطيف بالقائد نجل الشيخ  و قد كان من المقربين لوالده العارفين بالله ، و قد أعلن الشيخ ذلك أمام أصحابه و أوصاهم خيرا بخليفته ، فكان تعيينه نصرا للطريقة و بركة على الأتباع ، فتحمل الأعباء بتوجيه من الشيخ و مساعدة من الإخوان بعد وفاة والده رحمه الله .

13 – دور الزاوية البلقائدية : كما هو شأن المدرسة الصوفية ، الاجتهاد في إبداع الطرق المبتكرة لتجديد الممارسة الدينية ، لغة في مجال النثر و الشعر و المصطلحات ، و سلوكا في مجال التربية و التزكية و الأخلاق، شعارها قول الصوفي النابغة ابن عربي :    

  أدين بدين الحب أنى توجهت

 

ركائبه ، فالحب ديني و إيماني

و قول الصوفي المبدع السهروردي :

أهل الحبــــــــــة حين طاب شرابهم

 

باعوا النفوس لحبهم و ارتاحوا

شــربوا كؤوس الحب في حان الصفا

 

فتمايلت سكرا بهـــــــا الأرواح

كل القلـــــــــــــــوب لهم تحن تشوقا

 

و تحبهم ، و بحبهم ترتــــــــاح

فمحبة الخالق و مخلوقاته و التسامح و العفو من أخلاق الأنبياء و الأولياء و من هنا فدور الزاوية البلقائدية تحت رعاية شيخها الجديد و بقية الزوايا التابعة لها ، دور كبير و خطير ، و نستأذن فضيلة الشيخ و بقية الإخوان إلى ذكر شيء من ذلك الدور الذي بدون شك لا يلغي الدور المعروف المألوف بل يحافظ عليه و يكمله ، ونشير إلى ذلك مجرد إشارة و في جانبين:

أ – الجانب التعليمي :

-    وضع مناهج تعليمية لطلبة الزاوية بإضافة مراجع جديدة لما هو متداول كـإحياء علوم الدين ، رياض الصالحين ، الأذكار ، بعض النصوص من تراث التصوف شعرا و نثرا .

-    الدعوة إلى تخصيص حصص يومية لتعليم القرآن و اللغة و غير ذلك  للمريدين.

-    البحث عن أساليب جديدة لإعطاء نفس جديد للطريقة .

-    تكوين المربين المقتدرين على الإقناع بأفعالهم و أقوالهم و على الغوص في أعماق التراث .

-    التركيز على الشباب في المدارس و المعاهد فمن بينهم يظهر النوابغ  .

-    توقير العلماء وتقديمهم خاصة و نحن في زمان  إمحت فيه الحدود الفاصلة بين العلم          و الجهل .

ب-الجانب التربوي : و هو ثمرة الجانب الأول و مظهر له و يكون بتطهير النفس من نزوات الشر كالكبر و الحسد و الغش و ما إلى ذلك و بتزكيتها بمكارم الأخلاق كالعدل و الإحسان و القناعة و الصداقة و الزهد و المحبة و لكن ... ما أسهل أن نرفع هذه الشعارات و نكتب أحلى المقالات   و أجمل القصائد (أعذب الشعر أكذبه) ، وقد أصبحنا متهمين بين الأمم بأن ثقافتنا ثقافة أقوال مزخرفة لا أفعال منجزة ، وقد هدد الله تعالى المؤمنين المتصفين بهذا السلوك فقال : « يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون »

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها

 

فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

و لنقدم هذا الخبر كمثال على تدهور الأخلاق و سقوط العلاقات الإنسانية من أغنى و أقوى دولة في العالم المادي ... فقد تم حرق 712 جثة بإحدى ولايات أمريكا، نعم هذا في ولاية واحدة في الستة الأشهر الأولى من السنة الجارية  2009 - ، نتيجة الأزمة الاقتصادية التي أدت إلى عجز ذوي الموتى عن نفقات الدفن فاضطرت المصالح المختصة إلى حرق 712 ما نسبته 30 بالمائة [71] و أدهى من ذلك و أمر ما نراه في مقابرنا من إهمال لا حدود له .

و لذلك فإن رسالة الزوايا و مؤسسات التربية الأخرى خطيرة أكثر مما مضى .

14 – فقراء الطريقة و مريــدوها : لا يفوتنا ــ وقد تكلمنا عن الطريقة البلقائدية أن ننسى ــ الكلام عن فقرائها و محبيها ، يطلق لقب الفقراء على مريدي سيدي محمد بلقائد و أتباع طريقته و كنت حين أسمع لقب « الفقراء » لا أفهم معناه ، فالأتباع الفقراء ليسوا جميعا فقراء بالمعنى الحقيقي لكلمة « فقر» و هم عادة ما يظهرون بمظهر جميل أنيق لا تكاد تفرق بين فقيرهم و غنيهم ... ربما لأن كلمة «فقير» في العرف الاجتماعي توحي بالحاجة إلى الغير ، و رغم أني كنت أتلو قوله تعالى « يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله » [72] و قول سيدنا موسى عليه السلام « رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير »[73] رغم التلاوة الطويلة دون تبصر و تفكر لم أنتبه للمعنى البعيد إلى أن هداني الله و أنا بصدد كتابة هذا البحث  إلى قول سيدنا أبي الحسن الشاذلي عند مقدمه على القطب الرباني سيدي عبد السلام بن مشيش « فاغتسلت ... وخرجت من علمي وعملي وطلعت إليه فقيرا ... وإذا به هابط إلي ... ثم قال: «يا علي طلعت علينا فقيرا من علمك وعملك ، فأخذت منا غنى الدنيا والآخرة  »[74] .... حينئذ عرفت أن لقب « الفقراء» له معنى أبعد مما كنت أتوهم ، وارتاحت نفسي للفقراء ، وأنا واحد منهم بمعناه الحقيقي ... وتقدمت قليلا في البحث ، فتبين أن الفقر قسمان:

أ ـ فقر حقيقي : وهذا قضاء من الله وقدر على العبد المؤمن أن يرضى بنصيبه ويشكر الله عليه، وبذلك يكون مثابا مأجورا ، وفيه نحو قول خباب بن الأرت (ض) قال : « هاجرنا مع رسول الله () نلتمس وجه الله تعالى فوقع أجرنا على الله فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا ومنهم مصعب بن عمير(ض) قتل يوم أحد وترك نمرة – أي كساء صوفيا – فكنا إذا غطينا به رأسه بدت رجلاه ، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه ،فأمرنا رسول الله () أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه شيئا من الأذخر » متفق عليه [75] ، وفيه ــ الفقر الحقيقي ــ قول الأستاذ المتصوف محمد إقبال :

أرى الفقــــــراء عبـــادا تقاة

 

قياما في المساجد راكعيــنا

هــــم الأبرار في صوم وفطر

 

وبالأسحار هم يستغفرونــا

وليس لكم سوى الفقراء ستر

 

يواري عن عيوبكم العيونا

أضلت أغنياءكـــــم الملاهي

 

فهم في ريبهـــــم يترددونا

وأهل الفقر مازالـــــوا كنوزا

 

لدين الله رب العالميــــنــا [76]

ب ـ فقر مجازي وهذا هو المقصود من الآيتين السالفتين، والمراد به الشعور بالنقص والعجز والافتقار إلى الله تعالى في كل حين ، وهو من مدلولات المعرفة والعلم الحقيقي « فاعلم أنه لا إله إلا الله » ، فمهما أوتي الإنسان من قوة وعلم ومال فهو ضعيف ، لا حول له ولا قوة إلا بالله القوي المتين وهذا القسم من الفقر هو المحمود الشريف الذي أفرده أئمة التصوف وعلماء الأخلاق بالبحث والتأليف لأهميته وضرورة المجتمع الإنساني إليه، فلا سعادة في الدنيا قبل الآخرة مع الحرص والتكالب على الثروة والمال ، وما يصاحب ذلك من الشعور بالحسد والبغضاء ومن المشاحنات والخصومات خصوصا مع غياب العدل والوازع الديني والمؤسساتي.

فهذا الإمام النووي ــ رحمه الله ــ في رياض الصالحين وضع ستة أبواب من « فضل الزهد في الدنيا......... إلى فضل الإيثار والمواساة » وابتدأ بذكر الآيات الواردة في الموضوع ثم استعرض عشرات الأحاديث الصحيحة ..... والتي يجب ، نعم يجب أن تكون منهجا رئيسا في جميع مؤسساتنا من المساجد إلى المدارس والمعاهد إلى جميع الهيئات والإدارات ،وأن تتحول إلى سلوك وممارسات  ولا تبقى مجرد شعارات في بطون الكتب ومقابر المواعظ ، ومما أورده قوله () : ــ تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والقميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض  .

ــ إن لكل أمة فتنة   ، وفتنة أمتي المال.

ــ عن عائشة أم المؤمنين (ض) قالت :  « ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتاليين حتى قبض () » متفق عليه.

ـ وعن بن مسعود (ض) قال : « نام رسول الله على حصير فقام وقد أثر في جنبه فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء، فقال: مالي وللدنيا، ما أنا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها » [77] .

ما فعل ذلك () عن فقر أو قلة مال وسلطان فقد أتته الدنيا صاغرة فلم يلتفت إليها :

وراودته الجبال الشم من ذهب

 

عن نفسه فأراها أيــــما شمـــــــم

وشد من سغب أحشاءه وطوى

 

تحت الحجارة كشحا مترف الأدم[78]

ولكنه فعله عن زهد في الدنيا ورغبة في الآخرة وإعطاء المثل من نفسه، قال الشيخ بكري المكي في منظومته : هداية الأذكياء إلى طريق الأولياء:

والزهد أحسن منصب بعد التقى

 

وبه ينال مقام أربـــاب العلـــى

ونقل الشارحان له: الأول عن الجنيد « الزهد استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب » والثاني : عن الغزالي « الزهد في الدنيا مقام شريف من مقامات السالكين وللزاهد ثلاث علامات :

ـ أن لايفرح بموجود و لا يحزن على مفقود

ـ وأن يستوي عنده ذامه ومادحه

ـ وأن يكون أنسه بالله تعالى وحلاوة الطاعة »

وللفقراء علامات وآداب نص عليها الشيخ أبو الحسن الشاذلي فقال:

أ ـ آداب الفقير المتجرد أربعة : الحرمة للأكابر، والرحمة للأصاغر، والإنصاف من نفسه وترك الانتصار لها.

ولما كان أمر الفقراء كذلك : خلق عظيم وأدب رفيع ، فإني لا أرى حرجا من رفع اقتراح ثان بعد الاقتراح الذي دعونا فيه إلى تحويل تلك التوجيهات النبوية إلى ممارسات عملية، ونضيف هنا اقتراحا : على مؤسساتنا التربوية ورجال التعليم ومعدي البرامج بإدراج التراث الصوفي وسير أعلامه في مناهج التعليم والتسيير، فربما تخف الموجة المادية العاتية التي تجتاح النفوس وتكاد تدمر المجتمعات الإنسانية..... وتحل ــ بدل ذلك ــ ثقافة الرحمة والمحبة والأخوة ، ولرجال التصوف وشيوخه مسؤولية في التعريف بهذا التراث العظيم، وهذا قبس من ذلك التراث النبوي الإنساني لأحد أئمة التصوف الإسلامي.

صحبــة «الفقـــراء  »:

هذا عنوان اخترته لقصيدة عثرت عليها وأنا أبحث عن المعلومات التي تساعد في كتابة هذا البحث  ....وهي قصيدة مطولة لسيدي أبي مدين الغوث الأندلسي التلمساني والذي يعد الرجل الثاني بعد سيدي عبد القادر الجيلاني وأبو القاسم الجنيد و أبو الحسن الشاذلي وغيرهم، أقام ــ أبو مدين الغوث ــ بفاس وسكن بجاية، وتوفي بتلمسان (554 هـ) ، ونقتطف منها الأبيات التالية لأنها قريبة المعنى صادقة العاطفة جياشة الوجدان تخدم الموضوع ، قال رحمه الله:

ما لــذة العيش إلا في صحبة الفقرا

 

هــم السلاطيـــن والســـادات والأمرا

فاصـحبهم وتأدب فــي مجالســــهم

 

وخل حظــك مهمـــــا قدمــــوك ورا

واستغنم الوقت واحضر دائما معهم

 

واعلم بأن الرضا يختص من حضرا

ولازم الصــــمت،إلا إن سئـلت فقل

 

لا علم عندي وكن بالجهل مستتــــرا

ولا تـــر العيـــب إلا فيـــك معتــقدا

 

عيبـا بــدا بينـــا،لكنـــه استتــــــرا

وحـــط رأســـك واستغفــر بلا سبب

 

وقف على قــــــدم الإنصاف معتذرا

وقـــــــل عبيدكمــوا أولى بصحبتكم

 

فسامحوا وخذوا بالرفــــق يا فقــــرا

هم بالتــفضل أولـــى وهو شيمتـــهم

 

فلا تخف تركــــا منهم ولاضــــررا

وبالتغني على الاخوان جـــد أبـــــدا

 

حسا ومعنى،وغض الطرف إن عثرا

ففـــي رضاه رضا الباري وطاعته

 

يرضى عليك،فكن من تركه حــــذرا

من لـــي،وأنــــى لمثلـي أن يزاحمهم

 

على مـــوارد لم آلـــف بهــــــا كدرا

قـــوم كرام السجايــا مـــــــا جلسوا

 

يبقى المكان علـى آثارهـــم عطــــرا

هم أهل ودي وأحبابــــــي الذين هم

 

ممن يجرذيــــول العـــز مفتخــــــرا

لازال شملـــــي بهم في الله مجتمعا

 

وذنبــنا في الله مغفــورا ومغتفـــــرا

  وفي موضوع الفقراء قال رسول الله (): « يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام» رواه الترمذي وقال حديث حسن،وأعتقد أنه يقصد الفقراء الصابرين الشاكرين بالمعنى الحقيقي ويقصد الفقراء الزاهدين المجاهدين بالمعنى المجازي كما سبق بيانه .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خاتمـــــــة :

هذا والله ورسوله أعلم.... ومما تقدم بيانه من سيرة الشيخ بلقائد والتعريف بطريقته جذورها و أصولها ، أسانيدها و أورادها ، وبدور زاويته ورسالة شيوخها وفقرائها ،ووفائها للشيوخ المؤسسين تبين لنا صوفية هذه الطريقة وشاذليتها ،وتجلت أمامنا أصولها وأسانيدها.... ولما كان موضوع التصوف محاطا بالأسرار مجهولا لدى كثير من الناس ، يتجنب أهله الظهور والإشهار خوفا من كبيرة الرياء وشائعات الدهماء ، لا يحبذون نشر الأعمال ولا يكثرون من الأقوال ، مكتفين برضا الله وثنائه عليهم ، قال تعالى : « ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة........ »[79].  ولذلك اضطررنا ـ على ما يبدو- إلى الإطالة بعض الشيء حتى نعطي الموضوع حقه ،وقد حاولنا التلخيص والإيجاز قدر الإمكان كما استعنا بميزان الشرع و العقل للفصل في الخصومة الشائعة بين الظاهر و الباطن . وهذا ما من الله به علينا       و قد تم في ليلة الواحد والعشرين من شعبان من عام 1430 هـ والله نسأل فإنه نعم المولى ونعم النصير، اللهم لا تكلنا إلى نفوسنا طرفة عين،وخذ بأيدينا إننا فقراء إليك فامنحنا من فضلك يا كريم ما يغنينا  عن الاحتياج إلى غيرك، واقض ـ اللهم ـ حاجتنا التي أنت أعلم بها منا ، واغفر لنا ولوالدينا و لمشائخنا الذين علمونا وأدخلهم جنة الفردوس ،وارض ـ اللهم ـ عن المشائخ الذين ورد ذكرهم في هذا البحث  واجعله خالصا لك وحدك لا شريك لك، و اهدنا وعافنا واعف عنا ،ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم على سيدنا ومولانا محمد عبدك ورسولك وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

عبد القادر بن دوحة

2009

 

 

 

 

 

مراجع البحث:

 

1ـ القرآن الكريم    المؤسسة الوطنية للكتاب     عام 1964.

2ـ رياض الصالحين    مطبعة المشهد الحسيني   الطبعة الرابعة.

3ـ هداية الأذكياء إلى طريق الأولياء،وهي منظومة لها شرحان :

أــ كفاية الأتقياء              مطبعة دار احياء الكتب العربية بمصر ــ

ب- سلالم الفضـــــلاء.       //                                            //                            //

4ـ نهج البلاغة  دار المعرفــــــــة  بدون تاريخ.

5-جوهرة التوحيد للشيخ إبراهيم اللقاني .

 6- تحفة المريد للشيخ البيجوري    مطبعة مصطفى البابي الحلبي.   1939 .

7 - حاشية محمد الأمير  مطبعة مصطفى البابي الحلبي. 1948 .

8ـ أصول العقيدة الإسلامية للإمام الطحاوي ،دار الشهاب    بدون تاريخ

9ـ أبو الحسن الشاذلي للدكتور عبد الحليم محمود،دار الكتب الحديثة   بدون تاريخ.

10ـ أحلى قصائد الصوفية لـ مجدي كامل.  دار الكتاب العربي،طبعة 1   1997.

11- أوراد الطريقة الشاذلية للشيخ نوح حا ميم  دار الزهد  1997 .

12-الشفا                   للقاضي عياض ـ دار الفكر.

13- صحبة الفقراء: قصيدة لأبي مدين شعيب ، ولها شرح مفيد.

14-      قصيدة الشيخ البصيري (البردة).

15-      قصيدة الشيخ سيدي محمد الهبري.

16-      قصيدة الشيخ سيدي محمد بلقائد.

17-      قصيدة سيدي محمد متولي الشعراوي.

 

 

 

 




* -بدأت بوادر مدرسة التصوف في بداية القرن الثاني الهجري متزامنة مع ظهور مدارس العلوم الإسلامية الأخرى وظلت متداخلة معها نحو قرن من الزمان إلى أيام الامام الراشد أبي القاسم الجنيد (215-257هـ) الذي أعطى التصوف طابعه المتفرد وكان (ض) على مذهب أبي ثور صاحب الشافعي.

[1] ص 07 المرجع هداية الأذكياء إلى طريق الأولياء .

[2] المرجع السابق.

[3] أحلى قصائد الصوفية .

[4] نفس المرجع السابق .

[5] الآية 59 مريم .

[6] الآية 28 الزمر.

[7] ص 87 هداية الأذكياء .

[8] الآية 170 البقرة .

[9] ص 95 بيجوري .

[10] رياض  الصالحين ص 440 .

[11] كفاية الأتقياء و منهاج الأصفياء ص 59 .

[12] ص 73 أحلى قصائد الصوفية .

[13] هداية الإذكياء إلى طريق الأولياء

[14] من كلمة لأحد فقراء الطريقة .

[15] الآية 31 آل عمران .

[16] ص 255 نهج البلاغة ، ج 1 .

[17] أحلى قصائد الصوفية

[18] الآية 184 من البقرة .

[19] ص 60 رياض الصالحين .

[20] نهج البلاغة ص 40 ج 3 .

[21] الآية 20 من سورة محمد .

[22] ص114-115 كفاية الأتقياء و منهاج الأصفياء .

[23] المرجع السابق ص 17 .

[24] سلالم الفضلاء ص 116 .

[25] سلالم الفضلاء ص 116 .

[26] أوراد الطريقة الشاذلية ص 103 .

[27] الآية 09 من سورة المنافقون .

[28] رياض الصالحين .

[29] المرجع سلالم الفضلاء ص 112 بتصرف .

[30] نهج البلاغة .

[31] سلالم الفضلاء ص 111 .

[32] الآية 226 الشعراء .

[33] الآية 07 من سورة المجادلة .

[34] رياض الصالحين

[35] سلالم الفضلاء .

[36] بيجوري ص 96 .

[37] شرح عبد السلام لجوهرة التوحيد ص 134 .

[38] البيجوري ص 95 .

[39] الآيتان 20 ، 21 الذاريات .

* يتجاوز عدد الطرق الشاذلية 14 طريقة، ذكره في الصفحة 54 من (أثر الطريقة الصوفية).

[40] أبو الحسن الشاذلي ص 23 .

[41] نفس المصدر .

[42] نفس المصدر .

[43] الآية 29 من سورة فصلت

* في الصحيحين عن سعيد بن أبي وقاص قال: (رأيت رسول الله -ص- يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض كأشد القتال، ما ٍرايتهما قبل و لا بعد) – من زاد المعاد ص 59 ج 02 . 

[44] ص 33 أبو الحسن .

[45] أبو الحسن ص 47 .

[46] أوراد الطريقة الشاذلية ص 95

[47] نفس المرجع .

[48] المرجع نفسه ص 52 .

[49] أبو الحسن .

[50] نفس المرجع

[51] نفس المرجع .

[52] نفس المصدر .

[53] أورد الطريقة الشاذلية ص 98 .

[54] كفاية الأتقياء ص 40.

[55] هذا وما قبله من : أبي الحسن الشاذلي، بالتصرف.

[56] نفس المرجع.

[57] الآية 37 البقرة .

* قال الإمام الشعراني :(قد أجمع أشياخ الطريق على أنه لا يجوز لأحد التصدر لتربية المريدين إلا بعد تبحره في علوم الشريعة و آلاتها، كما دل عليه السادة الشاذلية)، ص 29 كفاية الأتقياء.

[58] الآيتان 5 و6 الروم .

[59] من مقالة منشورة على موقع لهــم.

[60] الآية 32 سورة محمد عليه السلام .

[61] من قصيدة للشيخ سيدي محمد الهبري .

[62] وكان ذلك ليلة الإسراء و المعراج كما في حديث الأسراء المعروف.

[63] أحلى قصائد الصوفية ص 160 .

[64] أحلى قصائد الصوفية .

[65] أبو الحسن الشاذلي ص 18.

[66] نفس المصدر السابق.

[67] من أواخر سورة الأعرف

[68] أوراد الطريقة الشاذلية ص 13 .

[69] وليست الولاية مكتسبة كالنبوة، ص 134 شرح عبد السلام على الجوهرة.

[70] أبو الحسن ص 36 .

[71] الخبر ع 5722 لسنة 2009 .

[72] الآية 15 فاطر .

[73] الآية 24 من سورة القصص .

[74] أبو الحسن الشاذلي ص 23.

[75] رياض الصالحين ص 179.

[76] أحلى قصائد الصوفية ص88.

[77] من رياض الصالحين ص 174 وما بعدها.

[78]  بردة الشيخ البصيري .

[79] الآيات 62،63،64 من سورة يونس.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الدعاء والذكر والاستغفار في كتاب الله الوهاب الغفار وسنة نبيه المصطفى المختار

              بحث بعنوان:   الدعاء والذكر والاستغفار في كتاب الله الوهاب الغفار وسنة نبيه المصطفى المختار   -     ...